جلال الدين السيوطي
462
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
قال ياقوت : ونظير خبر أبي سعيد مع متّى خبره أيضا مع أبي الحسن العامريّ الفيلسوف النيسابوريّ ، ذكره أبو حيان أيضا ، قال : لما ورد أبو الفتح بن العميد إلى بغداد ، وأكرم العلماء ، استحضرهم إلى مجلسه ، ووصل أبا سعيد السيرافيّ وأبا الحسن الرّمانيّ بمال ، قال أبو حيان : انعقد المجلس في جمادى سنة أربع وستين وثلاثمائة ، وغصّ بأهله ، فرأيت العامريّ وقد انتدب ، فسأل أبا سعيد السيرافيّ ، فقال : ما طبيعة الباء من « بسم الله ؟ » فعجب الناس من هذه المطالبة ، ونزل بأبي سعيد ما كاد يشكّ به ، فأنطقه الله تعالى بالسحر الحلال ، وذلك أنّه قال : ما أحسن ما أدّبنا به بعض المؤدبين المتقدمين ، فقال : وإذا خطبت على الرجال فلا تكن * خطل الكلام تقوله مختالا واعلم بأنّ مع السكون لبابة * ومن التكلّف ما يكون خبالا والله يا شيخ ، لعينك أكبر من فؤادك ، ولمرآك أوفى من دخلتك ، ولمنثورك أبين من منظومك ، فما هذا الذي طوّعت له نفسك ، وسدّد عليه رأيك ؟ إني أظنّ أنّ السلامة بالسكوت تعافك ، والغنيمة بالقول ترغب عنك ، والله المستعان . فقال ابن العميد وقد أعجب بما قال أبو سعيد : فتى كان يعلو مفرق الحقّ قوله * إذا الخطباء الصّيد عضّل قيلها . . . . . . . . . . . . . جهير وممتدّ العنان مناقل * بصير بعورات الكلام خبيرها والتفت إلى العامريّ فقال : وإنّ لسانا لم تعنه لبابة * كحاطب ليل يجمع الرذل حاطبه . . . . . . . . . . . . . . . . . وذي خطل بالقول يحسب أنّه * مصيب فما يلمم به فهو قائله قال أبو حيان : فلما خرجنا قلت لأبي سعيد : أرأيت أيّها الشيخ ما كان من هذا الرجل ؟ قال : ما دهيت قط بمثل ما دهيت به اليوم ، لقد جرى بيني وبين أبي بشر