جلال الدين السيوطي
457
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
قال : دريهمات . قال : فأنت ريح القلب حسن الحال ناعم البال ، اشتغل بالدرس والمذاكرة والسؤال والمناظرة ، واحمد الله على خفة الحاذ وحسن الحال ، وأنشده : إذا لم يكن للمرء مال ولم يكن * له طرق يسعى بهنّ الولائد وكان له خبز وملح ففيهما * له بلغة حتى تجيء العوائد وهل هي إلا جوعة إن سددتها * فكلّ طعام بين جنبيك واحد قال : وقال له رجل : عندي ابنة بلغت حدّ التزويج ، وجماعة يخطبونها ، فممّن ترى أن أزوّجها ؟ فقال : ممن يخاف الله ، وأكثرهم تقية وخشية منه ، فإنّ من يخاف الله إن أحبّها بالغ في إكرامها ، وإن لم يحبّها تحرّج من ظلمها . فاستحسنا ذلك وأثبتناه . ثم قال : لا تنسبوا هذا إلي ، إنّما هو قول الحسن . قال : وكان الشيخ يبين لبعض أصحابه الفرق في قوله تعالى : مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [ سورة الذاريات ، الآية 23 ] والاحتجاج عمّن نصبه ورفعه ، والكرديّ ما يفهم منه القليل ولا الكثير ، فالتفت إلى أبي سعيد ، وقال : يا شيخ : في أيّ شيء أنت ؟ وفي ما ذا تتكلّم ؟ قال : أتكلّم في شيء لا يعرفه كلّ أحد ، ولا يتصوّره كثير من الناس . قال : ففسّره لي لعلّي أفهمه . قال : لا يكون ذلك أبدا . قال : أنت عالم ، ومن اقتبس منك علما لزمك الجواب . فقال له : عليك بمجلس يجري فيه حديث الفرض والنفل والسّنن وظواهر أمر الشريعة لتستفيد منه وتنتفع به . فأخذ الكرديّ في المطاولة وإيراد الهذيان وما لا محصول له . وسكت عنه أبو سعيد إلى أن مضى ، ثم قال أبو سعيد : ما ظننت أنّ ثقيلا تمكّن من أحد تمكّن هذا منّا اليوم ، وإنّ ألم ثقله خلص إلى الروح والبدن ، لقد هممت تارة بضربه ، فقلت : ربّما ضربني أيضا ، ثم هممت بالقيام ، فقلت : ضرب من الخرق ، ثم كدت أصيح ، فقلت : نوع من الجنون ، ثم بقيت أدعو سرّا ، وأرغب إلى الله تعالى في صرفه ، فتفضّل الله الكريم عليّ بذلك ، ومع هذه الحالة لم تزل أبيات محمد بن المرزبان تتردّد بين لهاتي ولساني . فقلنا له : وما الأبيات ؟ فقال :