جلال الدين السيوطي
456
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
ثم قال لأبي سعيد : خفّف عليك أيّها الشيخ ، وادفع الكتاب إلى أبي عبد الله تلميذك ليجيب عنها ، فخجل من هذا القول . فلما ابتدأت الجواب من غير نسخة تحيّر مني أبو سعيد ، ثم قال الصيمريّ : أيّها الأستاذ ، ليس بمستنكر ما كان مني ، ولا بمستكثر . فما كان منه إلا أنا قال : الفيء لا يصحّ في بيت المال إلا من مستخرج وجهبذ ، والكتّاب جهابذة الكلام ، والعلماء مستخرجوه ، فتبسّم الصيمريّ ، وأعجبه ما سمع ، وقال : على حال ، ما أخليتنا من فائدة . وكان أبو سعيد بعيد القرين لأنّه كان يقرأ عليه القرآن والفقه والشروط والفرائض والنحو واللغة والعروض والقوافي والحساب والهندسة والحديث والأخبار ، وهو في كلّ هذا إما في الغاية ، وإما في الوسط . وأما علي بن عيسى ، فعالي الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض والمنطق ، وعيب به أنّه لم يسلك طريق واضع المنطق ، بل أفرد صناعة وأظهر براعة ، وقد عمل في القرآن كتابا نفيسا ، هذا مع الدين الثخين والعقل الرزين . وأما ابن المراغي ، فلا يلحق بهؤلاء مع براعة اللفظ وسعة الحفظ وعزّة النفس وبلل الريق وغزارة النقب وكثرة الرواية ، ومن نظر في كتاب البهجة له ، عرف ما أقول ، واعتقد فوق ما أصف ، ونخل أكثر ما أبدل . وأما ابن المرزبانيّ وابن شاذان وابن القرمسيني وابن حيّويه ، فهم رواة وحملة ، ليس لهم في شيء من ذلك نقط ولا إعجام ، ولا إسراج ولا إلجام . انتهى . قال ياقوت : وقال أبو حيّان في كتاب محاضرات العلماء : حضرت مجلس شيخ الدهر ، وقريع العصر ، العديم المثل ، المفقود الشكل أبي سعيد السيرافيّ وقد أقبل على الحسين بن مردويه الفارسيّ يشرح له ترجمة المدخل إلى كتاب سيبويه من تصنيفه ، فقال له : علّق عليه ، واصرف همّتك إليه ، فإنّك لا تدركه إلا بثقب الحواسّ ولا تتصوره إلا بالاعتزال من الناس . فقال : أيّد الله القاضي ، أنا مؤثر لذلك ، ولكن اختلال الأمر وقصور الحال يحول بيني وبين ما أريده . فقال له : ألك عيال ؟ قال : لا . قال : عليك ديون ؟