جلال الدين السيوطي

455

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

الكتاب على النظم المعروف . وحدثني أصحابنا أنّ أبا علي اشترى شرح أبي سعيد في الأهواز في توجّهه إلى بغداد سنة ثمان وستين لاحقا بالخدمة الموسومة به ، والندامة الموقوفة عليه بألفي درهم . وهذا حديث مشهور وإن كان أصحابه يأبون الإقرار به إلا من يزعم أنّه أراد النقض عليه وإظهار الخطأ فيه ، وقد كان الملك السعيد - رضي الله عنه - همّ بالجمع بينهما فلم يقض ذلك ؛ لأنّ أبا سعيد مات في رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة . وأبو علي يشرب ويتخالع ويفارق هدي أهل العلم وطريقة الدّيّانين وعادة المتنسّكين ، وأبو سعيد يصوم الدهر ، ولا يصلي إلا في الجماعة ، ويقيم على مذهب أبي حنيفة ، ويلي القضاء سنين ، ويتألّه ، ويتحرّج ، وغيره بمعزل عن هذا ، ولولا الإبقاء لحرمة العلم لكان القلم يجري بما هو خاف ، ويخبر بما هو محمحم ، ولكن الأخذ بحكم المروءة أولى ، والإعراض عما يجلب اللائمة أحرى . وكان أبو سعيد حسن الخطّ ، ولقد أراده الصيمريّ أبو جعفر على الإنشاء والتحرير ، فاستعفى ، وقال : هذا أمر يحتاج فيه إلى دربة وأنا عار منها ، وإلى سياسة وأنا غريب فيها ، ومن العناء رياضة الهرم . وحدّثنا النصريّ أبو عبد الله - وكان يكتب التوبة للمهلبيّ - بحديث مفيد لأبي سعيد هذا موضعه ، قال : كنت أخطّ بين يدي الصيمريّ أبي جعفر محمد بن أحمد بن محمد ، فالتمسني يوما لأن أجيب ابن العميد أبا الفضل عن كتاب ، فلم يجدني ، وكان أبو سعيد السيرافيّ بحضرته ، فبان أنّه بفضل علمه أقوم بالجواب من غيره ، فتقدّم إليه أن يكتب ويجيب ، فأطال في عمل نسخة كثر فيها الضّرب والإصلاح ، ثم أخذ يحرّر والصيمري يقرأ ما يكتبه ، فوجده مخالفا لجاري العادة لفظا مباينا لما يريده وترتيبا ، قال : ودخلت في تلك الحال ، فتمثّل الصيمريّ بقول الشاعر : يا باري القوس بريا ليس يصلحه * لا تظلم القوس أعط القوس باريها