جلال الدين السيوطي

447

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

يسكتّ ، ويجيل فكره في المعاني ، ويرتّب ما يريد في الوهم السياج ، والخاطر العارض والحدس الطارئ ، فأما وهو يزيع أن يزن ما صحّ له بالاعتبار ، والتصفّح إلى المتعلّم والمناظر فلا بدّ له من اللفظ الذي يشتمل على مراده ، ويكون طباقا لغرضه وموافقا لقصده . قال ابن الفرات لأبي سعيد : تمّم لنا كلامك في شرح المسألة حتى تكون الفائدة ظاهرة لأهل المجلس ، والتبكيت عاملا في نفس أبي بشر . فقال : ما أكره من إيضاح الجواب عن هذه المسألة إلا ملل الوزير ، فإنّ الكلام إذا طال ملّ . فقال ابن الفرات : ما رغبت عن سماع كلامك وبيني وبين الملل علاقة ، فأما الجماعة فحرصها على ذلك ظاهر . فقال أبو سعيد : إذا قلت : زيد أفضل إخوته ، لم يجز ، وإذا قلت : زيد أفضل الإخوة ، جاز ، والفصل بينهما أنّ إخوة زيد هم غير زيد ، وزيد خارج من جملتهم ، والدليل على ذلك أنّه لو سأل سائل فقال : من إخوة زيد ؟ لم يجز أن يقول : زيد وعمرو وبكر وخالد ، وإنّما يقول : عمرو وبكر وخالد ، ولا يدخل « زيد » في جملتهم ، فإذا كان زيد خارجا عن إخوته صار غيرهم ، فلم يجز أن يقول : أفضل إخوته ، كما لم يجز أن يقول : حمارك أفره البغال ، لأنّ الحمار غير البغال ، كما أنّ زيدا غير إخوته ، وإذا قلت : زيد خير الإخوة ، جاز ؛ لأنّه أحد الإخوة ، والاسم يقع عليه وعلى غيره ، فهو بعض الإخوة ، ألا ترى أنّه لو قيل : من الإخوة ؟ عددته فيهم ، فقلت : زيد وعمرو وبكر وخالد ، فيكون بمنزلة قولك : حمارك أفره الحمير ؛ لأنّه داخل تحت الاسم الواقع على الحمير ، فلما كان على ما وصفنا جاز أن يضاف إلى واحد منكور يدلّ على الجنس ، فتقول : زيد أفضل رجل ، وحمارك أفره حمار ، فيدلّ رجل على الجنس كما دلّ الرجال ، وكما في عشرين درهما ، ومائة درهم . فقال ابن الفرات : ما بعد هذا البيان مزيد ، ولقد جلّ علم النحو عندي بهذا الاعتبار وهذا الإسفار .