جلال الدين السيوطي

448

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

فقال أبو سعيد : معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته ، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها ، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير وتوخّي الصواب في ذلك ، وتجنّب الخطأ من ذلك ، وإن زاغ شيء من هذا النعت ، فإنّه لا يخلو من أن يكون سائغا بالاستعمال النادر والتأويل البعيد ، أو مردودا لخروجه من عادة القوم الجارية على فطرتهم ، فأما ما يتعلّق باختلاف لغات القبائل ، فذلك شيء مسلّم لهم ومأخوذ عنهم ، وكلّ ذلك محصور بالتتبّع والرواية والسماع والقياس المطّرد على الأصل المعروف من غير تحذيف ولا تحريف ، وإنّما دخل العجب على المنطقيين لظنّهم أنّ المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقتهم ونظرهم وتكلّفهم ، فترجموا لغة هم فيها ضعفاء ناقصون ، وجعلوا تلك الترجمة صناعة ، وادّعوا على النحويين أنّهم مع اللفظ لا مع المعنى . ثم أقبل أبو سعيد على متّى ، فقال : أما تعرف يا أبا بشر أنّ الكلام اسم واقع على أشياء قد انتقلت بمراتب ؟ وتقول بالمثل : هذا ثوب ، والثوب اسم يقع على أشياء بها صار ثوبا ، لأنّه قد نسج بعد أن غزل ، فسداته لا تكفي دون لحمته ، ولحمته لا تكفي دون سداته ، ثم تأليفه كنسجه ، وبلاغته كقصارته ، ورقّة سلكه كرقّة لفظه ، وغلظ غزله ككثافة حروفه ، ومجموع هذا كلّه ثوب ، ولكن بعد تقدمة ما يحتاج إليه . قال ابن الفرات : سله يا أبا سعيد عن مسألة أخرى ؛ فإنّ هذا كلما توالي عليه بان انقطاعه ، وانخفض ارتفاعه في المنطق الذي ينصره ، والحقّ الذي لا يبصره . قال أبو سعيد : ما تقول في رجل يقول لهذا : عليّ درهم غير قيراط . ولهذا الآخر : عليّ درهم غير قيراط ؟ قال متّى : ما لي علم بهذا النمط . قال : لست نازعا عنك حتى يصحّ عند الحاضرين أنّك صاحب مخرقة وزرق . ههنا ما هو أخفّ من هذا : قال رجل لصاحبه : بكم هذان الثوبان المصبوغان ؟ وقال آخر : بكم ثوبان مصبوغان ؟ وقال آخر : بكم ثوباك مصبوغين ؟ بيّن هذه المعاني التي تضمنها لفظ لفظ . قال متّى : لو نثرت أنا عليك من مسائل المنطق أشياء لكان حالك حالي . قال : أخطأت ؛ لأنّك إذا سألتني عن