جلال الدين السيوطي
442
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
قال أبو سعيد : أخطأت وتعصّبت وملت مع الهوى ، فإنّ علم العالم مبثوث في العالم بين جميع من في العالم ؛ ولهذا قال القائل : العلم في العالم مبثوث * ونحوه العاقل محثوث وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من في الأرض ؛ ولهذا غلب علم في مكان دون علم ، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة . وهذا واضح والزيادة عليه مشغلة ، ومع هذا فإنّما كان يصحّ قولك وتسلم دعواك لو كانت يونان معروفة من بين جميع الأمم بالعصمة الغالبة ، والفطنة الظاهرة ، والبيّنة المخالفة ، فإنّهم لو أرادوا أن يخطئوا لما قدروا ، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا ، وإنّ السكينة نزلت عليهم ، والحقّ تكفّل بهم ، والخطأ تبرّأ منهم ، والفضائل لصقت بأصولهم وفروعهم ، والرذائل بعدت من جواهرهم وعقولهم . وهذا جهل ممّن يظنّه بهم ، وعناد ممّن يدّعيه لهم ، بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء ، ويخطئون في أشياء ، ويعلمون أشياء ، ويجهلون أشياء ، ويصدقون في أمور ، ويكذبون في أمور ، ويحسنون في أحوال ، ويسيئون في أحوال ، وليس واضع المنطق يونان بأسرها ، إنّما هو رجل منهم ، وقد أخذ عمّن قبله ، كما أخذ عنه من بعده ، وليس هو حجة على هذا الخلق الكبير والجمّ الغفير ، وله مخالفون منهم ومن غيرهم . ومع هذا فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب سنخ وطبيعة ، فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء يرتفع به هذا الخلاف ، أو يحلّله ، أو يؤثر فيه ؟ ! هيهات ، هذا محال ، ولقد بقي العالم بعد منطقه على ما كان عليه قبل منطقه ، فامسح وجهك بالسلوة عن شيء لا يستطاع ، لأنّه منعقد بالفطرة والطباع ، وأنت ، فلو فرّغت بالك وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تحاورنا بها ، وتجارينا فيها ، وتدرّس أصحابك بمفهوم أهلها ، وتشرح كتب يونان بعادة أصحابها لعلمت أنّك غنيّ عن معاني يونان .