جلال الدين السيوطي
443
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وههنا مسألة : تقول إنّ الناس عقولهم مختلفة ، وأنصباؤهم منها متفاوتة ؟ قال : نعم . قال : وهذا الاختلاف والتفاوت بالطبيعة أو بالاكتساب ؟ قال : بالطبيعة . قال : فكيف يجوز أن يكون ههنا شيء يرتفع به هذا الاختلاف الطبيعيّ والتفاوت الأصليّ ؟ قال متّى : هذا قد مرّ في جملة كلامك آنفا . قال أبو سعيد : فهل وصلته بجواب قاطع وبيان ناصع ؟ ! ودع هذا ، أسألك عن حرف واحد وهو دائر في كلام العرب ومعانيه مميزة عند أهل العقل ، فاستخرج أنت معانيه من ناحية منطق أرسطوطاليس الذي تدلّ به وتباهي بتفخيمه ، وهو الواو : ما أحكامه ؟ وكيف مواقعه ؟ وهل هو على وجه أو وجوه ؟ فبهت متّى ، وقال : هذا نحو ، والنحو لم انظر فيه ؛ لأنّه لا حاجة بالمنطيقيّ إليه ، ولا بالنحويّ حاجة شديدة إلى المنطق ؛ لأنّ المنطق يبحث عن اللفظ ، فإن مرّ المنطقيّ باللفظ فبالعرض ، وإن عثر النحويّ بالمعنى فبالعرض ، والمعنى أشرف من اللفظ ، واللفظ أوضع من المعنى . فقال أبو سعيد : أخطأت ؛ لأنّ الكلام والمنطق واللغة واللفظ والإفصاح والإعراب والإنباء والحديث والإخبار والاستخبار والعرض والنهي والحضّ والدعاء والنداء والطلب كلّها من واد واحد بالمشاكلة والمماثلة . ألا ترى أنّ رجلا لو قال : « نطق زيد بالحقّ ، ولكن ما تكلّم بالحقّ ، وتكلّم بالفحش ، ولكن ما قال الفحش ، وأعرب عن نفسه ، ولكن ما أفصح ، وأبان المراد ولكن ما أوضح ، أو فاه بحاجته ولكن ما لفظ ، أو أخبر ولكن ما أنبأ » ؛ لكان في جميع هذا محرّفا ومناقضا وواضعا للكلام في غير حقّه ، ومستعملا للفظ على غير شهادة عقله وعقل غيره . والنحو منطق ، ولكنّه مسلوخ من العربيّة ، والمنطق نحو ، ولكنّه مفهوم باللغة ، وإنّما الخلاف بين اللفظ والمعنى ، إنّ اللفظ طبيعيّ والمعنى عقليّ ؛ ولهذا كان اللفظ بائدا على الزمان ؛ لأنّ الزمان يقفو أثر الطبيعة ؛ ولهذا كان المعنى ثابتا على الزمان ؛ لأنّ مستملي المعنى عقل ، والعقل إلهيّ ، ومادة اللفظ طينيّة ، وكلّ طينيّ متهافت .