جلال الدين السيوطي
441
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
قال أبو سعيد : لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة وطرائقها المتباينة إلى هذه البيّنة في أربعة وأربعة وأنّها ثمانية ؛ زال الاختلاف ، وحضر الاتفاق . ولكن ليس الأمر هكذا ، ولقد موهّت بهذا المثال ، ولكم عادة بمثل هذا التمويه ، ولكن مع هذا أيضا ، إذا كانت الأعراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف ، أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة ؟ قال : نعم . قال : أخطأت ، قل في هذا الموضع : بلى . قال : بلى ، أنا أقلّدك في مثل هذا . قال : فأنت إذا لست تدعونا إلى علم المنطق ، إنّما تدعو إلى تعلّم اللغة اليونانيّة وأنت لا تعرف لغة اليونان ، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي بها ، وقد عفت منذ زمان طويل ، وباد أهلها ، وانقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها ، ويتفاهمون أغراضهم بتصاريفها ؟ ! على أنّك تنقل من السريانيّة ، فما تقول في معان منهوكة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانيّة ثم من هذه إلى أخرى عربيّة ؟ قال متّى : يونان وإن بادت مع لغتها فإنّ الترجمة قد حفظت الأعراض وأدّت المعاني وأخلصت الحقائق . قال أبو سعيد : إذا سلّمنا لك أنّ الترجمة صدقت وما كذبت ، وقوّمت وما حرّفت ، ووزنت وما حرفت ، وأنها ما التاثت ولا حاقت ، ولا نقصت ولا زادت ، ولا قدّمت ولا أخّرت ، ولا أخلّت بالخاصّ والعام ، ولا بأخصّ الخاصّ ، ولا بأعمّ العام ، وإن كان هذا لا يكون ، وليس في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني ؛ فكأنّك تقول : لا حجة إلا عقول يونان ، ولا برهان إلا ما وضعوه ، ولا حقيقة إلا ما أبرزوه . قال متّى : لا ، ولكنّهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة وبالبحث عن ظاهر هذا العالم وباطنه ، وعن كلّ ما يتصل به وينفصل عنه ، وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر ، وانتشر ما انتشر ، وفشا ما فشا من أنواع العلم وأصناف الصنائع ، ولم نجد هذا لغيرهم .