جلال الدين السيوطي
440
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
من زلّة القدم ، وإيّاه نسأل حسن المعونة في الحرب والسلم . ثم واجه متّى وقال : حدثني عن المنطق ؛ ما تعني به ؟ فإذا فهمنا مرادك فيه كان كلامنا معك في قبول صوابه وردّ خطئه على سنن مرضيّ وطريقة معروفة . قال متّى : أعني به أنّه آلة من آلات يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه ، وفاسد المعنى من صالحه ، كالميزان فإنّه يعرف به الرجحان من النقصان والشائل من الحائج . فقال أبو سعيد : أخطأت لأنّ صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف ، والإعراب المعروف إذا كنّا نتكلّم بالعربيّة ، وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل إذا كنّا نبحث بالعقل ، وهبك عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن ، من لك بمعرفة الوزن أهو حديد أم ذهب أو شبّة ؟ فأراك بعد معرفة الوزن فقيرا إلى معرفة جوهر الموزون ، وإلى معرفة قيمته وسائر صفاته التي يطول عدّها ، فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك ، وفي تحقيقه كان اجتهادك إلا نفعا يسيرا من وجه واحد ، وبقيت عليك وجوه ، فأنت كما قال الأوّل : حفظت شيئا وغابت عنك أشياء وبعد ؛ فقد ذهب عليك شيء ههنا : ليس كلّ ما في الدنيا يوزن بل فيها ما يوزن ، وفيها ما يكال ، وفيها ما يذرع ، وفيها ما يمسح [ وفيها ما ] يحرز . وهذا وإن كان هكذا في الأجسام المرئيّة ، فإنّه على ذلك أيضا في المعقولات المقررة ، والإحساسات ظلال العقول ، وهي تحكيها بالتقريب والتبعيد مع الشّبه المحفوظ والمماثلة الظاهرة . ودع هذا إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها ، وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها ، من أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه ، ويتخذوه قاضيا وحكما عليهم ، ما شهد لهم به قبلوه ، وما نكره رفضوه ؟ قال متّى : إنّما لزم ذلك لأنّ المنطق بحث على الأعراض المعقولة والمعاني المدركة ، وتصفّح للخواطر السانحة والسوانح الهاجسة ، والناس في المعقولات سواء ، ألا ترى أنّ أربعة وأربعة ثمانية سواء عند جميع الأمم ؟ وكذلك ما أشبهه .