جلال الدين السيوطي
439
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وأبي الليث متّى ، واختصرتها ، فقال لي : اكتب هذه المناظرة على التمام ، فإنّ شيئا يجري في ذلك المجلس النبيه بين هذين الشيخين بحضرة أولئك الأعلام ينبغي أن يغتنم سماعه ، وتوعى فوائده ، ولا يتهاون بشيء منه . فكتبت : حدثني أبو سعيد بلمع من هذه القصة ، فأما علي بن عيسى الشيخ الصالح ، فإنّه رواها مشروحة ، قال : لما انعقد المجلس سنة عشرين وثلاثمائة ، قال الوزير ابن الفرات للجماعة - وفيهم الخالديّ ، وابن الأخشيد ، والكتبي ، وابن أبي بشر ، وابن رباح ، وابن كعب ، وأبو عمرو قدامة ، وجعفر ، والزهيريّ ، وعلي بن عيسى الجراح ، وابن فراس ، وابن رشيد ، وابن عبد العزيز الهاشميّ ، وابن يحيى العلويّ ، ورسول بن طغج من مصر ، والمرزبانيّ صاحب السامان - : أريد أن ينتدب منكم إنسان لمناظرة متّى في حديث المنطق ، فإنّه يقول أنّه لا سبيل إلى معرفة الحقّ من الباطل ، والصدق من الكذب ، والخير من الشرّ ، والحجة من الشبهة ، والشكّ من اليقين إلا بما حويناه من المنطق ، وملكناه من القيام به ، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده ، فاطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه . فأحجم القوم ، وأطرقوا . قال ابن الفرات : والله إنّ فيكم لمن يفي بكلامه ومناظرته وكسر ما يذهب إليه ، وإنّي لأعدّكم في العلم بحارا ، وللدين وأهله أنصارا ، وللحقّ وطلابه منارا ، فما هذا الترامز والتغامز اللذان تجلّون عنهما ؟ فرفع أبو سعيد السيرافيّ رأسه ، وقال : اعذر أيّها الوزير ، فإنّ العلم المصون في الصدر غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع المصيخة ، والعيون المحدقة ، والعقول الجامّة ، والألباب الناقدة ؛ لأنّ هذا يستصحب الهيبة ، والهيبة مكسرة ، ويجتلب الحياء ، والحياء مغلبة ، وليس البراز في معركة خاصّة كالمصاع في بقعة عامة . فقال ابن الفرات : أنت لها يا أبا سعيد ، فاعتذارك عن غيرك يوجب عليك الانتصار لنفسك ، والانتصار لنفسك راجع إلى الجماعة بفضلك . فقال أبو سعيد : مخالفة الوزير فيما يراه هجنة ، والاحتجاز عن رأيه إخلاد إلى التقصير ، ونعوذ بالله