جلال الدين السيوطي
438
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
ويمكن أن يقال بالمثل الأدنى : إنّ من يتكلم بالإعراب والصّحّة ولا يلحن ولا يخطئ ويجري على السليقة الحميدة والضريبة السليمة قليل أو عزيز ، وإنّ الحاجة شديدة لمن عدم هذه السجيّة وهذا المنشأ إلى أن يتعلّم النحو ، ويقف على أحكامه ، ويجري على منهاجه ، ويفي بشروطه في أسماء العرب وأفعالها وحروفها وموضوعاتها ومستعملاتها ومهملاتها ، ومتى اتفق إنسان بهذه الحيلة وعلى هذا النجار ، فلعمري إنّه غنيّ عن تطويل النحويين ، كما يستغني قارض الشعر بالطبع عن علم العروض ، وهكذا يستغني صاحب تلك القوة التي أشار إليها ابن يعيش عن المنطق والهندسة والحساب والموسيقى والطبّ وغير ذلك ، ولكن ، أين ذاك الفرد والشاذّ والنادر ؟ فإن حضر فما نفعك منه إلا أن تقلّده ، وتأخذ عنه ، وتتبعه ، وإنّما المدار على أن تكون أنت بهذا الكمال حائزا لهذه الغاية ، ولا سبيل لك إليه من تلقاء نفسك ، وإنّما هو شيء يأتي إليك من تلقاء غيرك . وإذا ، فبالضرورة وبالواجب ما ابتغى أن يخطو على آثار المصنّفين والطبيعيين والمهندسين بالزحف والعناء والتكلّف والدءوب حتى تصير متشبّها بذلك الرجل الفاضل والواحد الكامل والبديع النادر . فلقد بان من هذا القدر صواب ما أشار إليه ابن يعيش ، وانكشف أيضا وجه ما حثّ عليه مخالفوه ، ولا عيب على المنقوص أن يطلب الزيادة ببذل المجهود ، وإن كان الكامل مغبوطا بما منح من الغبطة من غير طلب . وأما قوله في صدر كلامه : « إنّ القوم صدّوا عن الطريق وطرحوا الشوك فيه واتخذوا نشر الحكمة مجالا للمنالة العاجلة » ، فما أبعد ، بل قارب الحقّ ، فإنّ متّى كان يملي ورقة بدرهم مقتدريّ وهو سكران لا يعقل ، ويتهكّم وهو عند ذاته في ربح ، وهو من الأخسرين أعمالا الأسفلين أحوالا . ثم إنّي ، أيّها الشيخ ، أحياك الله لأهل العلم وأغنى بك طالبيه ، ذكرت للوزير مناظرة جرت في مجلس الوزير أبي الفتح جعفر بن الفرات بين أبي سعيد السيرافيّ