جلال الدين السيوطي

437

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

أصحابنا ، أعني مخالفته ، وجه أيضا وتأويل ، وللقولين أنصار وحماة وحفظة ورعاة ، قال : هات على بركة الله ، فإني أحبّ أن أسمع في هذا الخطب كلّ ما فيه ، وأكثر ما يتصل به ، فكان الجواب أنّ ابن يعيش يريد من هذه الخطبة أنّ عمر الإنسان قصير ، وعلم العالم كبير ، وسرّه مغمور ، وكيف لا يكون كذلك وهو ذو صفائح مركبة بالرصف المحكم وذو قصائد مرتّبة التأليف المعجب المتقن ؟ والإنسان الباحث عنه وعمّا يحويه ذو قوى متقاصرة وموانع معترضة ودواع ضعيفة ، وأنّه مع هذه الأحوال منتبه الحسّ حالم بالعقل عاشق للشاهد ذاهل عن الغائب مستأنس بالوطن الذي ألفه ونشأ فيه مستوحش من بلد لم يسافر إليه ولم يسلم به ، وإن كان صدر عنه فليس له بذلك معرفة ثاقبة ولا ثقة تامة ، فإنّ الأولى بهذا الإنسان المنعوت بهذا الضعف والعجز أن يلتمس مسلكا إلى سعادته ونجاته قريبا ، ويعتصم بأسهل الأسباب على قدر جهده وطوقه ، وأسهل الأسباب هو في معرفة الطبيعة والنفس والعقل والإله تعالى ، فإنّه متى عرف هذه الجملة بالتفصيل واطّلع على هذا التفصيل بالجملة ، فقد فاز الفوز الأكبر ، ونال الملك الأعظم ، وكفي مؤونة عظيمة في قراءة الكتب الكبار ذوات الورق الكبير مع العناء المتصل في الدرس والتصحيح والنّصب في المسألة ، والجواب والتنقير عن الحقّ والصواب . وهذا الذي قاله ابن يعيش ليس بحيف ولا بخارج عن حومة الحقّ ، وإن كان الأمر فيه صعبا وشاقّا وهائلا وعائلا ، ولكن ليس لكلّ واحد هذه القوة الفائضة ، وهذه الخصوصية الناهضة ، وهذا الاستبصار الحسن ، وهذا الطبع الوقّاد ، والذهن المنقاد ، والقريحة الصافية ، والاستبانة والتأمّل ؛ لأنّ هذه القوة إلهيّة ، فإن لم تكن إلهية فهي ملكية ، فإن لم تكن ملكية فهي في أفق البشريّة . وليس يوجد صاحب هذا النعت إلا في الشاذ والنادر في دهر مديد بين آماد جمّة العدد ذو الفائق من كلّ شيء ، والبائن من كلّ صنف عزيز في هذا العالم الوحشيّ ، كما أنّ الرديء والفاسد معدوم في ذلك العالم اللاهي .