جلال الدين السيوطي
145
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
كما تخفض حتى ، وفيهما معنى الاستغناء » « 1 » . فقلت : هذا هكذا في كتابه ، وهو صحيح ، ذهب في التذكير إلى الحرف ، وفي التأنيث إلى الكلمة . قال ثعلب : فالأجود أن يحمل الكلام على وجه واحد . قلت : كلّ جيد ، قال الله عزّ وجل : وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً [ سورة الأحزاب ، الآية 31 ] وقرئ ( ويعمل ) ، وقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [ سورة يونس ، الآية 42 ] ذهب إلى المعنى ، وقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ [ سورة يونس ، الآية 43 ] ذهب إلى اللفظ ، وليس لقائل أن يقول : لو حمل الكلام على وجه واحد في الآيتين كان أجود ؛ لأنّ كلا جيّد . ولكن ، هذا أنت عملت كتاب الفصيح للمتعلم المبتدئ ، وهو عشرون ورقة ، أخطأت فيه في عشرة مواضع منه . فقال : اذكرها . فقلت له : قلت : « عرق النّسا » وهذا خطأ ، إنّما يقال : هو النّسا ، ولا يقال : عرق النّسا ، كما لا يقال : عرق الأبهر ولا عرق الأكحل ، قال امرؤ القيس : فأنشب أظفاره في النّسا * فقلت هبلت ألا تنتصر وقلت : حلمت في النوم أحلم حلما وحلما ، والحلم ليس بمصدر ، وإنّما هو اسم ، قال الله تعالى : وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [ سورة النّور ، الآية 58 ] وإذا كان للشيء اسم لم يوضع المصدر موضع الاسم ، ألا ترى أنّك تقول : حسبت الشيء أحسبه حسبا ، فالحسب المصدر ، والحساب الاسم ، ولو قلت : أرفع الحسب إليك لم يجز ، وأنت تريد : أرفع الحساب إليك . وقلت : رجل عزب ، وامرأة عزبة . وهذا خطأ ، وإنّما يقال : رجل عزب ، وامرأة عزب ؛ لأنّه مصدر وصف به ، فلا يثنّى ولا يجمع ، كما تقول : رجل خصم وامرأة خصم ، ولا تقول : خصمة . وقد أتيت بباب من هذا الضرب في الكتاب ، وأفردت هذا منه ، قال الراجز : يا من يدلّ عزبا على عزب * ممكورة الساقين جمّا الرّكب على فتاة مثل تمثال الذّهب
--> ( 1 ) في معجم الأدباء : الاستثناء . انظر : 1 / 56 .