الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

534

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

فتوجه مولانا نحو بلاده وشيّعه شيخه إلى مشهد الشيخ عابد السنامي ، وهو على أربعة أميال من البلد على ما قالوا ، وبشره وقت الوداع بقطبية تلك الديار . وقال بعدما فارقه : خالد برد ، يعني : أخذ خالد . فرجع إلى وطنه بأنواع الفتوحات وأصناف السنوحات ، سنة ست وعشرين ومائتين وألف ، فاستقبله علماء البلدة وأعيانها وكافة خواصها وعوامها . وصار ذلك اليوم كالعيد عندهم ولم يظهر لهم الإرشاد في ذلك الوقت . فبعد مدة قليلة رحل إلى بغداد بإشارة غيبية من شيخه في أيام ولاية سعيد باشا ابن سليمان باشا فشرع حينئذ في الإرشاد بعد زيارة مشاهد الأولياء الأمجاد ، ثم رحل بعد خمسة أشهر إلى السليمانية بإشارة معنوية من شيخه وسائر أولياء بغداد ، وأعلن فيها الإرشاد . فحينئذ تحركت عروق الحسد من الحساد فشرعوا في تأليف رسائل في ذمه وتضليله بل وتكفيره ، وأرسلوها إلى والي بغداد . فلما اطّلع الوالي على ما حوته الرسالة من الكلام الخالي كالخشف البالي ، رماها من يده ولم يبال وقال : إن لم يكن حضرة الشيخ خالد مسلما فمن المسلم ! سبحان اللّه ما صاحب هذه الرسالة إلّا مجنون أو أعمى اللّه بصيرته من شدة حسده ، نعوذ باللّه ، نعوذ باللّه . هذا بعينه كلام الوالي . ثم أمر الوالي العلماء برد تلك الرسالة وإرسالها إلى المعاند ، فألّف العلماء رسائل عديدة مفيدة وختموها بخواتم العلماء وأرسلوها إلى الحساد ، فلم تروج أباطيلهم ولم تؤثر تضاليلهم ، بل انطمست آثارهم وانمحت أخبارهم وأعلام مولانا منصوبة ومرفوعة وأنوارهم مطلوبة ، وأخبارهم على الألسنة مذكورة ، وفي الكتب إلى يوم القيامة مسطورة ، وعلى مرور الأزمان منشورة . وكذلك حال كل المنكرين مع حال أولياء اللّه تعالى . قال اللّه تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [ إبراهيم : الية 24 ] اليات الثلاث ، فجلس مولانا قدّس سرّه في مقام الإرشاد بكمال التمكين وانكب إلى بابه العلماء من كل قطر بعيد وطار صيته في الفاق وانتفع به خلق كثير لا يمكن درج أساميهم في هذه الأوراق حتى قيل : إنه كان يقف قدامه زهاء خمسمائة نفس من العلماء على أقدامهم ، فقس على ذلك غيرهم من أقوامهم . وأحيا بالتدريس ما اندرس من علوم الدين كالتفسير والحديث والفقه والتصوّف ، واقتفى في ذلك أثر الأئمة المجتهدين . ثم رحل في أيام ولاية داود پاشا