الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
487
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
ولما وصل إلى خانقاه مولانا مظهر الشهيد سنة سبعين ومائة وألف ، وكان عمره إذ ذاك قد بلغ اثنتين وعشرين ، أنشد لسان حاله على حسب حاله : [ شعر ] وجدت لسجدات المحبة سدّة * وحين قصدت الأرض ألفيت أفلاكا فالتمس منه الطريقة ، فقال له : اذهب إلى محل فيه ذوق وشوق فإن هنا لحس حجر بلا ملح . فقال : هذا هو المنظور لدي . فقال له السيد : إذا يبارك لك . فبايعه في حينه وواظب على حلقة الذكر والمراقبات إلى خمس عشرة سنة بكمال الرياضات والمجاهدات الشاقة ، والصبر على الفقر والفاقة مع الإكثار من الأذكار والمداومة على الاستغفار وكانت وظيفته اليومية من النفي والإثبات عشرة آلاف ، وتلاوة القرآن عشرة أجزاء غير التهليل اللساني ، واسم الذات وسائر الأوراد والصلوات . وقد قاسى الشدائد في بداية حاله وكان له أولا شيء من وجه المعاش ، فتركه واختار التجريد والتوكل ولم يترك في حجرته شيئا غير حصير بال ولبنة يضع رأسه عليها . قيل : أغلق باب حجرته مرة من داخل وقال : إن مت مت في هذه الحجرة . فوصل إليه تأييد إلهي وجاء شخص وقال : افتح الباب ، فلم يفتح ، ثم قال : افتح الباب فإن لي معك شغلا ، فلم يفتح ، فرمى روبيات من شقّ الباب ومضى ، ففتح له باب الفتوح من هذا اليوم وكان يعمل على وفق الحديث النبوي ، وأخذ السند في الحديث من أولاد الشيخ ولي اللّه المحدّث الدهلوي ، وحفظ القرآن عند مرشده ، ولكن كان يخفيه عن الناس ولا يطلع أحدا عليه . وكان قليل المنام ، وقليل الطعام ، فإذا رأى أحدا من أصحابه في نوم الغفلة وقت التهجد كان يوقظه . وكان الأغنياء يرسلون إليه أطعمة مطبوخة بالتكلفات ، فلم يكن يأكل منها بل كان يكره أكلها للطالبين أيضا وكان يقسمها على جيرانه . وكان يحيي أكثر الليالي بالذكر والمراقبة ، وكان نومه قعودا على هيئة الاحتباء ، ولم يكن يمد رجليه من غاية الحياء إلا قليلا حتى كان موته على هيئة الاحتباء ، وكانت غلبة الحياء عليه على وجه لم ينظر إلى وجهه في المرآة فضلا عن النظر إلى وجوه الناس . وكان بعض أرباب الحاجة يأخذ شيئا من أملاكه من غير إذنه ، فإذا رآه كان يقلب وجهه إلى جهة أخرى تغافلا عنه . وكان بعضهم يأخذ واحدا من كتبه ثم يجيئون بذلك الكتاب للبيع عنده فيعطي قيمته ويأخذه ، فإذا قال له