الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

46

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

الشفة يرعى طائفة من البقر ، وكان هو زنكي آتا ، فإنه كان يرعى بقرات أهل تاشكند في مبادي أحواله لستر حاله ومعيشة عياله وكفاية أولاده وأطفاله . قيل إنه كان يشتغل في الصحراء بعد كل صلاة بذكر الجهر وكانت البقرات تتركن الأكل وتتحلقن حوله مدة اشتغاله بالذكر ، فلما قرب هؤلاء الطلبة إليه رأوه حافيا يكسر أشجارا ذات شوك برجليه ولا يؤثر الشوك في رجليه ، ويربطها بالحبال ليحملها إلى بيته . فتعجبوا من عدم تأثير الشوك في رجله ، فجاؤوا إليه وسلّموا عليه ، فرد عليهم السلام ، وقال : أحسبكم غرباء في هذه الديار ، فمن أين ساقتكم الأقدار ؟ فقالوا : نحن من طلبة العلوم ، كنا في بخارى مشتغلين بالتحصيل ، فوقع الفراغ عنه علينا وحبب سلوك طريق القوم لدينا ، فخرجنا من تلك الديار وجبنا الصحارى والقفار نلتمس المرشد الكامل من قوم أخيار ، ونرجو من فضله سبحانه وتعالى أن يوصل إلى مشام أبصارنا أو مسام آذاننا روائح الأبرار فيتيسّر لنا في صحبته الخروج عن دائرة البعد والضلال والعروج إلى مركز القرب والكمال . فقال لهم : اصبروا حتى أشم أطراف العالم وأستخبر لكم : من مرشد الأنام . فجعل يستنشق الجهات الأربع ، ثم قال : شممت جميع جوانب العالم فلم أجد في الربع المسكون إنسانا يخلّصكم عن حضيض النقصان ويرقّيكم إلى ذروة الكمال غيري . فوقع من هذا الكلام إنكار في باطن سيد أتا وبدر أتا ، وقال سيدي آتا في قلبه : إني مع كوني سيدا عالما كيف أتبع هذا الأسود راعي البقر ! وقال بدر آتا في نفسه : أنظر إلى هذا الزنجي الذي شفته كشفة البعير كيف يدعي دعاوى طويلة عريضة . وأما أوزون حسن آتا وصدر آتا فلم يحصل لهما إنكار على دعواه بل قالا في نفسهما : يمكن أن يودع اللّه سبحانه نورا في هذا الأسود . فتصرف زنجي آتا في باطنهم مقارنا لهذا الحال وجعل قلوبهم متعلقة به ومنجذبة إليه . وكان أول من تقدم منهم للبيعة لزنجي آتا آوزون حسن آتا ، وكان أول من وجد الإذن والإرشاد بعد البلوغ إلى درجة الكمال أيضا آوزون حسن آتا . * سيد آتا رحمه اللّه : ثاني خلفاء زنجي آتا . واسمه سيد أحمد . لكن اشتهر بسيد آتا . قيل : إنه اجتهد في ملازمة زنجي آتا اجتهادا بليغا واشتغل بالرياضات الشاقة ومع ذلك لم ير في باطنه أثر الرشد ، ولم يترتب على سعيه الفتوح ، فعرض