الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
459
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
ثم جذبته جذبة عنايتهم إلى خدمة مجمع الحقائق ومنبع الدقائق ، مولانا خواجكي الأمكنكي قدّس سرّه ، فأظهر له التفاتات كثيرة وعنايات جزيلة . ولما تفرّس مولانا علو فطرته وسمو استعداده وحدس أحواله العالية ، ومواجيده السامية ، جلس معه في الخلوة للصحبة ثلاثة أيام متوالية ، وأطلعه في أثناء الصحبة على بعض الزوائد والفوائد . ثم قال : إن أمرك قد بلغ مرتبة الكمال والإكمال بعناية اللّه المتعال ، وببركة تربية روحانية أكابر هذه السلسلة العلية ، فينبغي لك أن تعود إلى طرف بلاد الهند فإنه يظهر فيه رونق هذه السلسلة بوساطتك ، ويبلغ فيه كثير من المستفيدين عالي القدر كاملي الاستعداد إلى ذروة الكمال ، فاعتذر إليه بأعذار عديدة على طريق الانكسار ورؤية قصور الأحوال ، ولكن لم يترك مولانا إلحاحه وأمره بالاستخارة . ولما نام بعد الاستخارة ، رأى في منامه ببغاء ، فقال : إنها طير مخصوصة ببلاد الهند ، فإن كان السفر إلى بلاد الهند مباركا فلتجىء هذه الببغاء عندي ولتقعد عليّ . فجاءت عنده وقعدت على منكبه فرمى إلى فمها ببزاقه وصبت هي أيضا سكرا من فمها في فمه فوجد منه لذّة في دماغه ، فأخبر شيخه بذلك فبشره بما هنالك وقال : قم وبادر إلى طرف بلاد الهند ، فإنه سيحضر فيها صحبتك كامل الاستعداد ينتفع بك وتحصل لك منه أيضا حلاوة وتظهر كمالاتك منه . فتوجه بموجب إشارته إلى طرف بلاد الهند وأقام سنة في بلدة لاهور ، واغتنم صحبته فيها كثير من علماء تلك الديار وفضلائها . ثم ارتحل منها إلى دار سلطنة بلاد الهند الدهلي واختار للإقامة القلعة الفيروزية التي هي مشتملة على نهر كبير ومسجد عظيم ، ومزيّنة بأنواع الزينة وموصوفة بصفاء الهواء . وأقام هناك إلى حين وفاته . وكان قدّس سرّه صاحب الأذواق والمواجيد العالية ، والأحوال السامية . كثير التواضع والانكسار ، وكان يجتهد في ستر أحواله وسيرته السنية عن نظر الأغيار بل عن محرم الأسرار بأنواع الحجب والأستار ، ولا يرى نفسه أهلا لمقام الإرشاد . فإذا جاءه شخص لطلب الطريقة كان يقول : ليس عندي شيء من ذلك ، ينبغي لك أن تطلبه من غيري . فإذا لقيت أحدا من هذه الطائفة مقتدى في الطريقة فنبهني على ما هنالك . وكان يبعد عن نفسه مطلق الدعوى ، بل كان يشتغل بخدمة الزوار واستمالة