الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

460

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

قلوبهم ولا يتكلم إلا عن ضرورة إلا في مسألة مشكلة من حقائق هذه الطائفة ، فكان يوضحها حق الإيضاح لئلا يميل صاحبها بلا إدراكها عن النهج القويم . وكان يمنع أصحابه عن القيام تعظيما له ويعد نفسه كأحد منهم ، ويحب المساواة معهم في سائر حالاته . وكان يقعد فوق التراب من غير حائل إظهارا للتواضع والمسكنة ، وكان ذا كيفية عجيبة وتصرفات عظيمة بحيث إذا وقع نظره على شخص كان يتغير حاله ويؤول إلى الخير مله . وكان الناس في بابه مطروحين سكارى ودائرين حوله حيارى ، قال الشيخ تاج الدين الهندي الذي كان من قدماء أصحابه وأجلّة خلفائه ، وقد صحب بعده الإمام الرباني : ثم جاور الحرمين الشريفين ، واشتهر هناك صيته وشهرته ، وأخذ عنه أكابر أهل الحرمين الطريقة النقشبندية ، كابن علان . وتوفي في الحرم المكي ، ودفن في جبل قعيقعان ، وقبره مشهور معروف هناك . كان شيخنا الخواجة محمد الباقي مرة قاعدا على ساحل النهر ، فجئت عنده ، فقال لي : يا تاج الدين ، يفاض عليّ من الفيض السبحاني ما لو كان هذا النهر مدادا فأكتبه به لا ينفد أبدا ونفد النهر . أرسل إليه الإمام الرباني مرة في ليلة من ليالي رمضان فالوذجا مع خادم له بدوي غليظ الطبع ، فلما انتهى إليه ، كان الخدّام والأصحاب كلهم في النوم ، فقام بنفسه وأخذه من يد الخادم وقال له : ما اسمك ؟ قال : باما ، فقال : لما كنت في خدمة الشيخ أحمد فأنت معنا . فإن معنى باما بحسب الوضع واللغة الفارسية : معنا ، فبمجرد وصول هذا الكلام إلى سمع الخادم ، تغيّر حاله ورجع باكيا صائحا كالسكران ، ولما رآه الإمام الرباني على هذا الحال سأله عما جرى عليه ؟ قال : لا أعرف شيئا ، غير أني أرى نورا لا لونيا أخذ الدنيا كلها شرقها وغربها ، أشجارها وأحجارها ، سهلها وجبلها وأرضها وسماءها ، لا أقدر أن أبيّنه . فقال : لعل حضرة شيخنا توجه إلى هذا الجانب وقابل هذه الذرة ، فأشرقت أشعة شمسه فيها ، وذلك النور من نوره . ولما حضر في الغد صحبته ، نظر إليه وتبسم ، وأمثال ذلك كثير يطول ذكرها . وبالجملة : كان يحصل الذوق والشوق ، والكيفية المعهودة عند هذه الطائفة للطالبين في أول صحبته ويجري لطائفهم بالذكر في أول التلقين . وكان ذلك للكل على سبيل التعميم ، وذلك من إلحاقاته ، قاله الإمام الرباني .