الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
458
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
أفاضل ذلك العصر ، فقال ذلك الفاضل بتقريب : ما أحسن لو كان خواجة محمد الباقي مداوما على التحصيل والمطالعة أياما حتى تبلغ مولويته وملكته في المطالعة إلى مرتبة الكمال والإكمال . فقال له الخواجة : أليس المراد من كمال المولوية والملكة أن تحصل قدرة مطالعة الكتب المتداولة على ما ينبغي ، فتوني بكتاب لا يقدر على مطالعته إلا صاحب بصر حديد ، فعسى يحصل التشفي التام . وبالجملة : تطرقت إلى طريق تحصيله للعلوم فترة تامة وجذبته الجذبات الإلهية إلى محفل قوم أشرقت في ضميرهم المنير شمس : « لي مع اللّه وقت » « 1 » فطاف حول مجلس كثير من كبار مشايخ وقته في بلاد ما وراء النهر التي هي معدن هذه الطائفة العزيزي الوجود ، وزف عند بعضهم بعروس التوبة والإنابة ، فأول من تاب على يده وأناب ، الشيخ خواجة عبيد خليفة مولانا لطف اللّه ، خليفة مولانا المخدوم الأعظم الدهبيدي ، خليفة مولانا القاضي محمد خليفة قطب الفاق خواجة عبيد اللّه أحرار قدّس سرّه . ولما لم تظهر فيه آثار الاستقامة أناب ثانيا على يد الشيخ افتخار حين قدومه بسمرقند ، وكان من كبار مشايخ سلسلة خواجة أحمد اليسوي . ثم طرأت الفترة على عزيمته هذه أيضا وظهر فيه ما ينافي طريق الاستقامة ثم جدد التوبة ثالثا من غير صنع واختيار على يد الشيخ الأمير عبد اللّه البلخي ، فكان في مقام حفظ الحدود أياما ، ثم هدر سد تلك التوبة أخيرا سيل تأيسر اسمه تعالى : المضل . ثم انعقدت صورة التوبة في المنام في شرف ملازمة خواجة بهاء الدين النقشبند قدّس سرّه ، وظهر فيه ميل إلى طريقة أهل اللّه ، فبحكم الغريق يتشبث بكل حشيش صار يتوجه إلى كل طرف ويسير ، حتى وصل إلى ملازمة الشيخ بابا ولي الكبروي في بلدة كشمير . وكان منظورا بنظرة عنايته . ولما كان الشيخ المذكور مجازا من مشائخ السلسلة النقشبندية أيضا هبت في ملازمته النفحات الربانية ، من مشرق فيوضات هذه الطائفة العلية إلى روض استعداده ، وظهرت فيه الغيبة المعهودة عند هذه الطائفة بعد انتقال الشيخ المذكور إلى دار القرار ، حتى أخذت أرواح هؤلاء الأكابر في الظهور في المبشرات ، وشرّفوه بالتلقينات ، وظهرت قوة في نسبته بيمن توجههم ، واتسعت دائرتها واتضح له الطريق .
--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، برقم ( 2159 ) [ 2 / 226 ] وأورده الهروي في المصنوع [ 1 / 258 ] .