الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
428
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
كان يوما قاعدا في محوطة العلماء بمحلة خواجة كفشير مع جمع من خواص الأصحاب في حجرة واحد من الطلبة ، وجرى الكلام في تصرفات شيخنا العجيبة وكراماته الغريبة ، ونقل كل من الأصحاب شيئا من هذا الباب ، ومولانا شيخ ساكت لا يتكلم . فخطر في بالي : إنه ماذا عليه لو تكلم بشيء في هذا الباب ؟ فقال بعد لحظة للأصحاب : أنتم إنما تكلمتم في تصرفاته الفاقية وما بيّنتم شيئا من تصرفاته الأنفسية . فقال له الأصحاب : فتفضل علينا بنقل شيء من ذلك . فقال : لما وصلت إلى صحبته في مبادي الحال ، وتلقنت عنه الذكر ، أتعبت نفسي كثيرا برياضات شديدة حتى ظهر شيء يسير من نتائج الاشتغال وكثر التفاته يوما فيوما ، فتيسر شيء من جمعية الباطن بعد مدة وحصلت نسبة الحضور في الجملة . فأمرني حضرة الشيخ بكفاية بعض مهمات الزراعة وغيرها ، فشرعت النسبة في الضعف والانحطاط شيئا فشيئا لتطرق الفتور إلى الاشتغال الباطني بسبب الاشتغال بالشغل الظاهري المأمور به . فحصل لي من ذلك ألم عظيم وحزن كثير ، فقلت في نفسي : أذهب عند حضرة الشيخ وأعرض عليه ألم قلبي . فجئت خلوته في وقت الفرصة وأردت أن أعرض عليه شيئا من بعض أحوالي المتشتتة ، فقال قبل أن أتكلم : يا مولانا شيخ إن الخلوة في الجلوة أصل كلي في طريقة خواجكان قدّس اللّه أرواحهم ، وبناء جميع أمورهم على ذلك ، وذلك الأصل مأخوذ من قوله تعالى : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ النّور : الية 37 ] . وأن نسبة هؤلاء الأكابر محبوبة ، وغيرة المحبة تقتضي أن يكون المحبوب مستورا . وكيف يريد المحب الغيور كون محبوبه من غير حجاب عن الأغيار ؟ وتحصيل هذه النسبة من غير سترها بشيء ليس من دأب هؤلاء الطائفة العلية ، بل لا بد من جمعها مع شغل من الأشغال الظاهرية . فتضرعت إليه بحسب الباطن لكوني عاجزا عن الجمع بين أمرين ، فقال : اجتهد بصرف الهمة فيه فعسى اللّه سبحانه يعطيك قوة تحصل بها أمور . والتفت إليّ مقارنا لهذا الحال ، فاستولى على باطني ما كان يتيسر لي أحيانا بالتعمل والتكلف وصار ثابتا ومتمكنا في قلبي ، وحصل له الاطمئنان وتخلص عن التردد والافتتان . ثم كان ذلك نصب العين في جميع الأشغال والأحوال والنوم واليقظة والسكون والانتقال والحمد للّه على ذلك . توفي مولانا شيخ بعد مضي أيام من إتمام « الرشحات » في أواخر سلطنة سلطان الأوزبك ، ودفن في محوطة العلماء رحمه اللّه . * * *