الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

379

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

ثم طلب مولانا السيد حسنا ومولانا القاسم ، ومولانا المير عبد الأول ، ومولانا جعفر ، الذين هم من عظماء أصحابه - وسيجيء ذكرهم في الفصل الثالث - وقال : بادروا واذهبوا إلى الباب الذي فيه السلطان محمود واصعدوا على شرفاته ولا تبرحوا مكانكم ولا تحضروا عندي حتى ينهزم عسكر السلطان محمود ويهربوا ، فإن لم ينكسر عسكره فرضا فلا سبيل لكم إلى صحبتي . فذهب هؤلاء الأكابر بأمر حضرة شيخنا وصعدوا على شرفات الباب وقعدوا مراقبين . قال مولانا قاسم عليه الرحمة : لما قعدنا على شرفة الباب لم نر أنفسنا وصرنا معدومين ، بل كان الكل حضرة شيخنا ، وشوهد في تلك المشاهدة أن جميع العالم مملوء من وجود حضرة شيخنا . قال ناقل هذه الحكاية : لما كنا مشغولين مع جمع من العسكر بمحاربة السلطان محمود ومقاتلتهم عند جسر النهر ، وكانت الغلبة في طرفهم علينا ، كنت ألاحظ هؤلاء الأكابر المراقبين فوق الباب آنا فنا وأراهم قاعدين مطرقين رؤسهم منتظرين . وامتدت تلك المحاربة إلى الضحوة الصغرى وكاد أن يغلب المخالف ، وغابت حواس أهل البلد . فجاءت في ذلك الأثناء بأمر اللّه ريح عاصفة من طرف صحراء قبجاق بغاية العنف والشدة ، والتأمت في معسكر السلطان محمود ، وقام الغبار بحيث لم يبق لأحد مجال فتح العين ، وذهبت بالرجال والخيول ورمت المشاة والركبان وضربتهم على الأرض ، وقوّضت الخيام عن مكانها ورفعتها إلى الهواء . وبالجملة : قد ظهرت شدائد كأهوال يوم القيامة ، فاستتر السلطان محمود مع جمع من أمراء التراكمة راكبين في جانب واد واسع ، فسقطت قطعة كبيرة من جانب الوادي وظهر منه صوت هائل في غاية الهيبة ودفن تحتها مقدار عشرين رجلا مع خيولهم وهلكوا ، وشرد خيول التراكمة من خوف صوت تلك القطعة ، ولم يقدر الأقوياء والشجعان على ردها ومنعها ، فانكسر ذلك العسكر المكمّل جملة واحدة وانهزموا طائفة طائفة ، واستولى الخوف والرعب على قلب السلطان محمود . فركب فرسه مع سائر أمرائه وانكشفوا عن باب البلد وهربوا بتمام السرعة والنكد خائبين خاسرين ، فخرج عسكر السلطان أحمد مع أيتام البلد وأوباشه وسائر عوامه وأسروا أناسا كثيرة وخيولا وافرة وربطوهم وأعقبوهم إلى خمسة فراسخ شرعية ، وغنموا أسلحة لا تحصى وأقمشة لا تستقصى . قال الناقل : فرأيت بعد ذلك أن هؤلاء الأكابر قد نزلوا من شرفة الباب وتوجهوا إلى ملازمة حضرة شيخنا ، ثم أخرج السلطان أحمد من حجرة المدرسة وأرسله إلى سرير سلطنته