الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
282
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
ملاقاته ومصاحبته ، انتهى كلامه قدّس سرّه . لا يخفى أن الوجود المعنوي عبارة في اصطلاح الصوفية قدّس اللّه أسرارهم عن الولادة الثانية ، وهي خروج السالك من ظلمة الطبيعة والتخلص عن أحكامها ، كما قال سيدنا عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام : « لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرتين » . فمن تشرّف وتحقق بالوجود المعنوي بهذا المعنى المذكور لا يحتاج أن يأخذ الطريقة عن شخص آخر البتة . فيكون الوجود المعنوي في كلام مولانا مسافر بمعنى طلب الوجود الثاني ، وإنما يكون طالبا لهذا الوجود من أشرق له أثر من أشعته فيمكن أن يقال : إن الوجود المعنوي حاصل لهذا الطالب مجازا لحصول أثره فيه ، واللّه أعلم . وقد قدم شيخ محتشم من بني أعمام حضرة شيخنا في تلك الأيام من تاشكند ، فجرت عنده هذه الحكاية ، فقال : إن مولانا مسافر لقّن الطريقة لخواجة عماد الملك وكان هو من مريديه . ووقع الاستماع من بعض أكابر تلك السلسلة أنه قال : رأيت شيخا من خلفاء مولانا مسافر في بخارى وكان يقول : كان شيخنا مولانا مسافر يحتاط في تنظيف اللباس وتطهيره احتياطا بليغا ، ويهتم في سائر آداب الشريعة والطريقة اهتماما تاما . وكنت يوما قاعدا عنده ، فجاء صبّاغ بثوبين من بز خشن قد صبغهما لأجله ، فقال له بعد لحظة : إرمهما في الماء ثانيا وأدلكهما كثيرا حتى يطهرا فإن في قلبي ترددا في طهارتهما . فقال له الصبّاغ : يا مخدوم إذا يزول لونهما وطراوتهما وتضيع محنتي وخدمتي . فبالغ في ذلك ثانيا حتى اضطر الصباغ وقام وذهب بهما لغسلهما . ثم شرع مولانا في المراقبة ، فوقع في قلبي اعتراض بأن فقيرا التزم المحنة على نفسه وصبغهما صبغا جيدا وجاء بهما إليه وليس فيهما نجاسة ظاهرة ، فما وجه هذه المبالغة من مولانا ! فنفيت هذا الخاطر في الخر وشرعت في المراقبة مغمضا عيني ، فوقعت عليّ في ذلك الأثناء غيبة فرأيت نفسي كأني أمشي في طريق ويمشي مولانا أمامي ، فظهر جبل عظيم في غاية الارتفاع والطريق في غاية الخفاء والظلمة وغير مسلوك ، فرأيت مولانا يصعد في الجبل من هذا الطريق بسهولة كأنه طير سريع الطيران وأنا أصعد بمحنة شديدة ومشقة كثيرة كالنملة الضعيفة مكسورة الرجل ، أقع مرة وأقوم أخرى وأخاف من السقوط في كل خطوة أخطوها ، فحضرت عن الغيبة في ذلك الأثناء ورفع مولانا رأسه من المراقبة مقارنا لهذا الحال وقال : يا فلان لو لم أبالغ في تطهير اللباس وتنظيفه وسائر الأمور لم أقدر على