الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

264

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

كان غلام من البنّائين منسوبا إلى مولانا ، وكان جيد الطبع ، وتام القابلية . ولكن كان مبتلى بأنواع الفسق ، فبينا هو قاعد يوما على خشبة مربوطة بين مدرسة السلطان مرزا حسين وخانقاهه مرخيا رجليه حين اشتغاله ببنائها والناس يمرون من تحتها ركبانا ومشاة ، إذ قدم مولانا محمد من مرقد مولانا سعد الدين في ذلك اليوم . واتفق مروره من تحت تلك الخشبة ، ولما قرب إليه قبض الغلام رجليه وقام تعظيما له ورعاية للأدب لديه بناء على حسن ظنه به وأظهر له التواضع والانكسار ، فكان رعاية ذلك الأدب منه في هذا المحل في محل القبول عند مولانا ، فتوجه إليه وأمعن النظر وكأن ذلك النظر كان سهما صاده به . ولما مر مولانا من تحت الخشبة ظهر فيه اضطراب عظيم حتى رمى نفسه من الخشبة إلى الأرض بلا اختيار ، وتوجه من ورائه ملطخ اليد والرجل بطين نوره ولحقه في باب المسجد الجامع ، فدخل مولانا منزله وذهب الغلام إلى سقاية المسجد وغسل يده ورجليه واغتسل طاهرا وخرج من السقاية ، وخرج مولانا أيضا من منزله مقارنا لهذا الحال وأظهر له التفاتا كثيرا ودخل المسجد ودخل الغلام أيضا من خلفه ، فعلّمه الطريقة في حينه وأمره بالنفي والإثبات فصار من جملة المقبولين وترك الاختلاط مع ندمائه القدماء بالكلية وجعل صحبته منحصرة في ملازمته وخدمته . وتحيّر ندماؤه من حاله وأمره ، وكانوا يقولون متعجبين : ما وقع عليه حتى انقلع عن الفسوق والمعاصي بالكلية وترك إدمان الخمر وصار يجتنبها غاية الاجتناب ويحترز عنها نهاية الاحتراز ؟ وأغلق باب المعاشرة مع الأحباب ولم يشاهد منه أحد بعد ذلك إساءة أدب ما دام في قيد الحياة . ثم توفي بعد ثلاث سنين من ابتداء إنابته وتوبته رحمه اللّه تعالى . وحكى واحد من طلبة العلوم وقد ترك التحصيل الذي لا طائل فيه وتشرّف بشرف ملازمته : كان مولانا يوما قاعدا في المسجد الجامع مع جمع من أصحابه متحلقين ، وكان كل واحد منهم مشغولا بما أمر به . فقعدت أيضا معهم مغمضا عيني موافقة لهم ونفيت الخواطر ، فوقع في ذلك الأثناء على خاطري أن أكابر هذه السلسلة العلّية قدّس اللّه أرواحهم ، كان لهم صرف الخاطر والتوجه إلى الناس والتصرف في بواطنهم وما شاهدت من هذه الأمور شيئا من مولانا ، وليس هو ممن لا تصرّف لهم ، فلا جرم أن في استعدادي قصورا ونقصانا وفتورا وليس فيّ قابلية للتصرف . وتكرر ذلك الخاطر ومنعني عن شغل الباطن ، فأحسست في ذلك الأثناء