يحيى العامري الحرضي اليماني
547
غربال الزمان في وفيات الأعيان
وفيها توفي قاضي القضاة منتجب الدين الأموي الدمشقي الشافعي ، تفقه على الفخر ابن عساكر ، وولي قضاء دمشق مرتين ، وكان صدرا معظما معروفا بالفضائل . قال الذهبي : وكان له في ابن عربي عقيدة تجاوز الوصف ، وكان من الطائفة الكوفية الذين يفضلون عليا على عثمان رضي اللّه عنهما ، ثم نسبه إلى التشيع . قال اليافعي : كأن الذهبي جعل التفضيل كالعلة لتشيعه ؛ وهذا من الذهبي العجب العجاب ؛ أما علم أن جماعة من أكابر أئمتنا المحققين ذهبوا إلى ذلك ؟ ! منهم سفيان الثوري ومحمد ابن إسحاق والحسين بن الفضل « 1 » دعامة الكوفيين ؛ ولهذا قال سفيان الثوري حين سئل عن ذلك : « أنا رجل كوفي » . قال اليافعي : وقد أوضحت رجحان الدليل على هذا في كتاب ( المرهم ) في الأصول ، وتثبت أن عليا رضي اللّه عنه اجتمع فيه من الفضائل في آخر عمره ما لم يكن في أوله ، وقد قدمت قصيدة ذكرت فيها التفضيل المذكور ، قال : ولكن لو نسبه إلى التشيع بسبب ما ذكر في تاريخه عنه أنه القائل : أدين بما دان الوصيّ ولا أرى * سواه وإن كانت أمية محتدي ولو شهدت صفين خيلي لأرعدت * وساء بني حرب هنالك مشهدي لكان ذلك أنسب ؛ إذ ذكر عليا بالوصاية لا يقوله إلا الشيعة . هذا معنى قول اليافعي ، واستدرك عليه الفقيه حسين وقال : والذي أراه أن الذهبي أعرف بأحوال الرجال منه ، ولهذا اتخذه اليافعي هو وابن خلكان قدوة له فيما ينقله ، ولكن اليافعي يتحامل عليه كثيرا . قال الفقيه حسين : والذي أراه أن الذهبي قد قصّر في وصف بعض الأكابر من الصوفية ، وأنصف في مثل ابن عربي وابن التلمساني . وبالجملة فكل مأخوذ من قوله ومتروك ، وكل بحسب نظره ومبلغ علمه يعبر ، وباللّه التوفيق . وذكر الذهبي أن القاضي منتجب الدين هذا قصد ملك التتر ، فخلع عليه خلعة سوداء مذهبة ، وهذا إن صح فخلة كبيرة ، واللّه أعلم .
--> ( 1 ) كذا في ب ومرآة الجنان 4 / 169 ، وفي الأصل : الحسن بن الفضل .