يحيى العامري الحرضي اليماني
538
غربال الزمان في وفيات الأعيان
وفيها ابن سيد الناس الخطيب الحافظ محمد بن أحمد الإشبيلي ، كان له عنية بالحديث ، وهو أحد الحفاظ المتقنين بالمغرب ، توفي في تونس . وفيها قدم الخليفة المستنصر باللّه العباسي ، وهو أول الخلفاء العباسيين بمصر ، وعقد له مجلس أثبت فيه نسبه ، ثم بايعه الظاهر بيبرس وأعيان دولته على مراتبهم ، ثم خطب وصلّى بالناس الجمعة ، ثم ألبس السلطان خلعة بيده وطوقه ، وزينت القاهرة كذلك ، وهو الثامن والثلاثون « 1 » من خلفاء بني العباس ، وكان جسيما شجاعا عالي الهمة ، ورتب له السلطان أتابكا وأستاذ دار وحاجبا ، وكاتب إنشاء « 2 » ، وجعل له خزانة ومائة فرس وثلاثين بغلا وستين جملا وعدة مماليك ، فلما وصل دمشق عزل من القضاء نجم الدين بن سناء الدولة ، وولى مكانه الإمام شمس الدين بن خلكان ، ثم سار المستنصر ليأخذ بغداد ويقيم بها ، فوقع بينه وبين التتر مصاف ؛ فقتل المستنصر ، وقيل : عدم ، وقيل : قتل ثلاثة من التتر ، ثم تكاثروا عليه ، واستشهد رحمه اللّه . وفيها الإمام العلامة القاضي الخطيب الملقب بسلطان العلماء شيخ الإسلام ، بحر المعارف الذي أرسل له النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالسلام على لسان الشاذلي : الإمام عزّ الدين ابن عبد السلام السلمي الدمشقي الشافعي ، قيل : بلغ رتبة الاجتهاد المطلق ، وله التصانيف العديدة المفيدة والفتاوى السديدة ، وعنه أخذ الشيخ شرف الدين الدمياطي وابن دقيق العيد . واشتهر بالزهد والورع ، لا يخاف في اللّه لومة لائم ، يشافه بالإنكار عند عظم الأخطار ؛ قيل له في ذلك ، فقال : أستحضر عظمة اللّه فيكون السلطان في عيني أحقر من قط . وكان مع ذلك حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار ، وربما حضر سماع الأكابر ، وربما لحقه وجد ورقص .
--> ( 1 ) ورد فيما مضى أن عدد خلفاء بني العباس سبعة وثلاثون ، وآخرهم المستعصم بن المستنصر . ( 2 ) كذا في مرآة الجنان 4 / 152 ، وفي الأصل وب : وكاتب التتار .