يحيى العامري الحرضي اليماني

484

غربال الزمان في وفيات الأعيان

وفيها توفي الإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي ، نسبة إلى قرضه الجوز ، البغدادي التيمي البكري ، كان علامة عصره وإمام وقته في الفنون ، ووعظ من صغره ، وكان له قبول حتى حرر مجلسه بمائة ألف ، وحضره الخليفة المستضيء من وراء ستر مرارا . وكتبه أكثر من أن تعد . يقال : جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فحصل له شيء كثير . وكان له في مجالس الوعظ أجوبة نادرة ، منها : ما حكي أنه وقع نزاع بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر والإمام علي رضي اللّه عنهما ، فرضوا بما أجاب ، فسأله شخص وهو على المنبر عن ذلك فقال : أفضلهما من كانت ابنته تحته . ونزل في الحال لئلا يراجع ، فقال أهل السنة : ذاك أبو بكر ، وقالت الشيعة : هو علي . وحكي أن الخليفة غضب على شخص من حاشيته ، فطلبه ، فهرب ، فأمسك أخاه ، وصادره بمال ، فشكا المصادر إلى ابن الجوزي ، فلما وعظ وانقضى مجلسه والخليفة من وراء الستر أنشد : قفي ثم أخبرينا يا سعاد * بذنب الطرف لم سلب الفؤاد وأي قضية حكمت إذا ما * جنى زيد به عمرو يقاد يعاد حديثكم فيزيد حسنا * وقد يستحسن الشيء المعاد وكرر المصراع ، فقال الخليفة من وراء الستر : يعاد ، يعني المال . قال اليافعي : وكلام ابن الجوزي وإن افتخر فهو بالنسبة إلى كلام الشيخ عبد القادر الجيلاني محتقر ، ولو سلم من طعنه وإنكاره على المشايخ لبقي مكتسيا بحلل المحاسن . قال الفقيه حسين : قلت : يشير اليافعي إلى إنكاره نكتا نادرة تصدر عن بعضهم ، ذكره في كتاب ( تلبيس إبليس ) ، لا ينبغي أن ينسب منكرها إلى الإنكار على المشايخ مطلقا ؛ فإن المشايخ غير معصومين ، وإنكار تلك النوادر للتحفظ عن مثلها لا للتنقص بهم ، نفعنا اللّه بهم .