يحيى العامري الحرضي اليماني

384

غربال الزمان في وفيات الأعيان

وكان أكثر عنايته ( بنهاية المطلب في دراية المذهب ) ، أودعه من التدقيق والتحقيق ما يعلم به مكانته من العلم والفهم ، واعترف أهل وقته بأنه لم يصنف في المذهب مثله ، وشكروا اللّه تعالى على تمامه . وصنف ( الشامل ) في أصول الدين ، و ( الإرشاد ) و ( العقيدة النظامية ) و ( غياث الأمم ) في الإمامة ، و ( مغيث الخلق في اختيار الأحق ) ، و ( البرهان ) في أصول الفقه ، وغيرها . وكان مع رفعته وجلالة قدره له حظ وافر من التواضع ؛ من ذلك أنه لما قدم أبو الحسن المجاشعي تتلمذ له وقرأ عليه كتاب ( أكسير الذهب في صناعة الأدب ) من تصنيفه . وقد تقدم أنه حمل بين يدي الشيخ [ أبي إسحاق ] « 1 » الغاشية . وقد أثنى عليه علماء وقته ؛ من ذلك قول الشيخ أبي إسحاق : تمتعوا بهذا الإمام فإنه نزهة هذا الزمان ، وقال له في أثناء كلامه : يا مفيد أهل المشرق والمغرب ، أنت إمام الأئمة اليوم . وقال المجاشعي : ما رأيت عاشقا للعلم في أي فن كان مثل هذا الإمام . وما كان يستصغر أحدا حتى يسمع كلامه ، ولا يستنكف من أن يعزو الفائدة إلى قائلها ، ويقول : استفدتها من فلان ، وإذا لم يرض كلامه زيفه ولو كان أباه . وقال في اعتراض على والده : وهذه زلة من الشيخ رحمه اللّه . وكان إذا شرع في حكايات الأحوال وعلم الصوفية ومجالس الوعظ والتذكير يبكي كثيرا حتى يبكي غيره لبكائه ، وربما زعق ولحقه الاحتراق العظيم إذا أخذ في التفكر . وسمع الحديث من جماعة كثيرة ، وأجاز له الحافظ أبو نعيم صاحب ( الحلية ) ، وسمع ( سنن ) الدارقطني من أبي سعيد بن عليك ، وكان يعتمد تلك الأحاديث في مسائل الخلاف ، ويذكر الجرح والتعديل في الرواية . وروى أن والده في ابتداء أمره كان ينسخ بالأجرة حتى اجتمع له شيء فاشترى به جارية صالحة ، ووطئها ، ولما وضعت إمام الحرمين أوصاها أن لا يرضع من غيرها ، فأرضعته يوما جارة لهم ؛ فاجتهد الشيخ في تقيئها حتى قاءها . وكان ربما لحقته فترة بعد إمامته فيقول : لعل هذه من بقايا تلك الرضعة .

--> ( 1 ) زيادة من ب .