يحيى العامري الحرضي اليماني

33

غربال الزمان في وفيات الأعيان

وفي آخرها حاصر المصريون أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه شهرين وعشرين يوما ، ثم اقتحم عليه أراذل من أوباش القبائل فقتلوه ، والصحيح أنه لم يتعيّن قاتله ، وكانوا أربعة آلاف ، واشتهر عنه أنه قال لأرقائه : من أغمد سيفه فهو حر ، فأغمدوا كلهم إلا واحدا قاتل حتى قتل ، وكانوا مائة عبد ، وقيل : أربعمائة ، وأن عليا رضي اللّه عنه أرسل إليه ابنه الحسن وقال له : إن شئت أتيتك للنصر ، فقال له : إني رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : إن قاتلتهم نصرت عليهم وإن لم تقاتلهم أفطرت عندنا الليلة ، وأنا أحب أن أفطر عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وجاءه عبد اللّه ابن سلام لينصره فقال له : اخرج إليهم فإنك خارجا خير لي من داخل ، فخرج فقال لهم : أيها الناس إن للّه سيفا مغمدا عليكم ، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه على نبيكم ، فاللّه اللّه في هذا الرجل أن تقتلوه فتطردوا جيرانكم ويسل سيف اللّه المغمد فلا يغمد إلى يوم القيامة . فقالوا : اقتلوا اليهودي . ولا شك أن الدماء المهراقة عقيب قتله والملاحم بين علي ومعاوية عقوبة من اللّه بقتل عثمان ، وانفتح باب الشر من يومئذ . وقد صحت الأحاديث أن له الجنة على بلوى تصيبه ، وأنه سعيد شهيد ، فقتلوه يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة والمصحف بين يديه ، فنضح الدم على قوله تعالى : ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) وعمره يومئذ بضع وثمانون سنة ، ومدة خلافته اثنتا عشرة سنة وأيام ، ودفن بالموضع المعروف بحش كوكب بالبقيع ، وكان قد اشتراه ووقفه وزاده في البقيع ، فكان إذا مرّ به يقول : يدفن فيك رجل صالح . وفيه يقول حسان : ضحوا بأشمط عنوان السجود به * يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا ليسمعن وشيكا في ديارهم * اللّه أكبر يا ثارات عثمانا وله : قتلتم وليّ اللّه في جوف بيته * وجئتم بأمر جائر غير مهتدي فلا ظفرت أيمان قوم تعاونوا * على قتل عثمان الرشيد المسدد