ابراهيم بن حسن البقاعي

145

عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران

رؤوس الطبقات ، وتولية القفا عند الملتقى . فقال : يا سيدي إن سفرك يهد من الناس أكثر مما تهد منهم هذه النازلة . فأقام ، وقال : لئن اجتمع بي ليرين مني شيئا ما رآه من أحد قط ، غير أنه لا يراني ولا أراه . فمات قبل دخوله دمشق بأيام قلائل . قال : وسأله الشيخ أحمد الحجيري - بفتح المهملة وكسر الجيم - بالجامع الأموي في الإقامة بدمشق فنهاه عنها ، فقال : يا سيدي ، إن السلطان قد وصلت طلائعه فبكا وقال : مثله كمثل شخص الجبال يرقص ساعة ويغطس . قال : وأخبرني الشيخ ناصر الدين التنكزي ، قال : بينما أنا ورفيقي نتجاذب أمر السفر والإقامة ، وهو يقول : والله ما أقيم ، وأنا أقول : والله ما أرحل ، ويقضي الله أمرا كان مفعولا ، وإذا الشيخ قد أقبل فنظر إلى وقال : كل [ ما ] « 1 » ملكناه ذاهب ، حنن الله عليك القلوب . وقال لرفيقي : لا تبت في البلد . فكان من أمري أنه ما سلم لي شيء قيمته درهم ، غير أن الله عطف على القلوب . قال ولده : وخرج مع أصحابه يوم السبت ثالث شهر ربيع الآخرة إلى المقابر ، فلما كان بين صلاتي الظهر والعصر ، قال : في مثل هذا اليوم أكون تحتها - وأشار إلى الأرض - فمرض يوم الأحد ، فكان يقول لولده في أيام مرضه بعد أذان الصبح : هات لي بفلسين ماء حارا من الحمام ، فيتوضأ به . فلما كانت ليلة السبت عاشر الشهر قال : من نحو ثلث الليل الأخير : قم هات ماء حارا ، ثم ولى ولده على حمام لا يغلق ليلا . فلما توضأ ، ثم وضعت بين يديه مخدة وهو في النزع متوجه ذاكر ، ويلتفت من نزعه وتوجهه فيقول : أذن ؟ يفعل ذلك حينا بعد حين إلى أن قيل : أذن . فركع ركعتين خفيفتين ثم حمل إلى الفرش ، فوالله ما استقر رأسه على المخدة حتى خرجت الروح من رجليه . رحمه الله . واجتمع في جنازته من الخلق ما لا يكاد تحت الحصر ، ومشوا على غاية من الخفر والسكينة لا تكاد أنفاسهم تسمع ، فضلا عن غير أن يقع كلام . فقال قاضي القضاة علاء الدين بن أبي البقاء - أكرمه الله - بعد موته بما كان يحبه في حياته من السكون ووقع ، ولما أدخل لحده كانت في الوقت الذي قال لأصحابه فيه أكون تحتها . رحمه الله . وكان له من العمر يوم موته ستا وخمسين سنة . رحمه الله .

--> ( 1 ) ما بين الحاصرتين إضافة يقتضيها السياق .