ابن تغري

296

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي

على السرج الذهب والكنبوش الزركش فلم يفعله قط ، وكان ما يلبسه في أيام الصيف وما على فرسه لا يساوى عشرة دنانير ، وكان معظما للشريعة ، محبا للفقهاء وطلبة العلم ، معظما للسادة الأشراف ، وكان يقوم لمن دخل عليه من الفقهاء والصلحاء كائنا من كان « 1 » ، وكان إذا قرأ عنده أحد فاتحة الكتاب [ 198 أ ] نزل عن مدورته « 2 » وجلس على الأرض تعظيما لكلام اللّه تعالى ، وكان كريما جدا ، مسرفا « 3 » مبذرا ، أتلف في مدة سلطنته من الأموال ما لا يدخل تحت حصر كثرة ، وكان لا يلبس إلّا القصير من الثياب ، ونهى الأمراء وأكابر الدولة وأصاغرها عن لبس الثوب الطويل ، وأمعن في ذلك حتى أنه ضرب جماعة كثيرة بسبب ذلك ، وقص أثواب جماعة أخر من أعيان الدولة في الموكب السلطاني بحضرة الملأ « 4 » من الناس ، وكان كثيرا ما يونج من يلبس الثوب الطويل ، ومن لا يحف شاربه من الأتراك . وفي الجملة : أنه كان آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، إلّا أنه كان قد قيض اللّه له أعوان سوء وحاشية ليست بذاك ، وكان - رحمه اللّه - سريع الاستحالة ، وعنده بطش وحدة مزاج « 5 » ، وبادرة مع طيش وخفة ، فكانوا ، أعنى حاشيته ، مهما أوحوه له قبله منهم ، وأخذه على الصدق والنصيحة ، فلهذا كان يقع منه تلك الأمور القبيحة التي ذكرناها في وقتها ، في كتابنا المسمى

--> ( 1 ) آخر ما وجد على هامش ورقة 197 ب في نسخة س . ( 2 ) « فرسة مدورته » في ن . وهو تحريف . ( 3 ) « مسرفا على نفسه » في ن . ( 4 ) « الأمراء والملأ » في ن . ( 5 ) « خراج » في ن .