ابن تغري
7
المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي
ثانيا - على أن المؤرخ يوسف بن تغرى بردى ورث عن أبيه أيضا ثروة طائلة ضمنت له حياة آمنة مستقرة ، عكف فيها على الدرس والتحصيل والكتابة والتأليف معتمدا على مكتبة خاصة عامرة بنفائس الكتب ، دون أن يشغل فكره كثيرا بالدخول في منافسات وخصومات مع غيره جريا وراء منصب أو سعيا لتوفير لقمة العيش . ولا عبرة هنا بما ذكره المؤرخ أبو المحاسن عن نفسه بأنه عاش فقيرا بعد وفاة أبيه لأن السلطان الناصر فرج استولى على جميع ما خلفه أبوه من مال ومتاع ، إذ يبدو لنا أن هذه العبارة إنما ذكرها أبو المحاسن لدفع حسد الحاسدين عن نفسه ، والظهور أمام الناس في صورة الزاهد الفقير إلى اللّه الذي لا يبتغى إلا حسن ثواب الآخرة ، وخاصة في عصر اعتبر « الفقر شعار الصالحين « 1 » » . وإن في سيرة أبى المحاسن يوسف ما يشير صراحة إلى أنه شب وعاش في سعة من العيش يحسده عليها كثير من علماء عصره . ثالثا - توفى الأمير تغرى بردى - والد المؤرخ أبى المحاسن يوسف - سنة 815 ه ، وعمر يوسف يومئذ ثلاث سنوات ، فقام على تربيته زوج شقيقته هاجر ، ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي ، وعند وفاة محمد بن العديم تزوجت هاجر قاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني ، فتولى بدو ره إتمام تربية يوسف شقيق زوجته . وهكذا قدر للمؤرخ أبى المحاسن يوسف أن يشب منذ نعومة أظفاره في بيت علم ودين ، وأن يسهر على تربيته وينهض بتنشئته اثنان من أكابر فقهاء عصره وأوسعهم علما وأكثرهم جاها وصيتا ، فدرس أصول النحو والبلاغة والفقه والحديث وغيرها من العلوم ، وأجازه عدد كبير من مشايخ علماء عصره ، حتى استولى علم التاريخ على حواسه ، ولازم بدر الدين العيني حينا
--> ( 1 ) الشعراني : لواقح الأنوار ، ج 1 ص 242 .