ابن تغري
8
المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي
وأحمد بن علي المقريزي أحيانا ، وهما أبرز مؤرخي زمانه ، وبذلك تأصلت فيه الحماسة التاريخية ليصبح بدوره علما من أعلام فن كتابة التاريخ . على أن نشأة أبى المحاسن يوسف في رحاب العلم والدين لم تحل دون أخذه بقسط من تعاليم الفروسية ولعب الرمح ورمى النشاب وغيرها من التدريبات التي كانت تتزود بها طبقة المماليك . وهنا ينبغي ألا ننسى مطلقا أن المؤرخ أبا المحاسن كان ابنا لأمير كبير من أمراء المماليك ينتمى إلى طبقة أرباب السيوف ، فإذا أضفنا إلى ذلك كله براعة أبى المحاسن يوسف في لعب الكرة ، وعلم النغم والإيقاع ، وقدرته على نظم الشعر بالعربية والتركية ، أدركنا أخيرا أننا أمام رجل متعدّد المواهب ، متنوع القدرات ، واسع الذكاء . رابعا - كان المؤرخ أبو المحاسن يوسف بحكم أصله ونشاطه ومكانته التي ورث جزءا منها عن والده ، وحقق الجزء الآخر بجهده وذكائه ، مقربا من سلاطين المماليك الذين عاصرهم ، وخاصة برسباى وجقمق وخشقدم . وتبدو أهمية هذه الحقيقة في أن المؤرخ أبا المحاسن يوسف لم يكن بعيدا عن دائرة الحوادث المعاصرة ، بل كان بحكم اتصاله - وأحيانا التصاقه - بالحكام وأفراد الطبقة الحاكمة يعرف الكثير عن أسرارهم وأخبارهم وخفايا الحوادث الدائرة ، وهو ما لم يتح لكثير غيره من المؤرخين المعاصرين . ومن هنا تبدو أهمية ما كتبه المؤرخ أبو المحاسن يوسف عن حوادث الفترة التي عاشها بالذات ، وعن سير وتراجم الأمراء والسلاطين الذين عاصرهم ، إذ كان وثيق الصلة بالقاعدة التي على أساسها يتم تحليل الحوادث الجارية . وتنبع المكانة المرموقة التي احتلها أبو المحاسن يوسف بن تغرى بردى وسط مؤرخي القرن التاسع الهجري في مصر من كتاباته التاريخية التي دونها ، فهناك