ابن قاضي شهبة
611
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
الظّلماء ، لا يبغضه إلّا حاسد ، أو زنديق ، ولقد كان في ثغر الإسكندريّة من مدّة قريبة ، أدركها أشياخنا ، شخص يتعرّض للغزّاليّ ويغتابه . فرأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام ، وأبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما إلى جانبه . وكان الغزّاليّ واقف بين يديه وهو يقول : يا رسول اللّه هذا يعني الرّائي يتكلّم فيّ ويؤذيني ، قال : فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : هاتوا السّياط وأمر به فضرب بين يديه لأجل الغزّاليّ ، وقام هذا الرّجل من النّوم وأثر السّياط على ظهره . وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه ( تبيين كذب المفتري ) : سمعت الشّيخ الفقيه الإمام أبا القاسم سعد بن عليّ بن أبي القاسم بن أبي هريرة الأسفرائيني ، الصّوفي ، الشّافعيّ بدمشق . وحدّثنا الشيخ الإمام ، أبو جعفر أحمد بن عليّ بن أبي بكر القرطبيّ ، لفظا ، قال : سمعت الشيخ أبا الفتح عامر بن نحام بن عامر السّاويّ بمكّة يقول : دخلت المسجد الحرام يوم الأحد الرابع عشر من شوال سنة خمس وأربعين ، فيما بين الظّهر والعصر وكأن بي نوع من المسّ ودوران رأس ، بحيث أنّي لا أقدر أن أقف أو أجلس لشدّة ما بي ، فكنت أطلب موضعا أستريح فيه ساعة على جنبي ، فرأيت باب بيت الجماعة للرّباط الرّامشي « 1 » عند باب الحزورة « 2 » مفتوحا ، فقصدته ودخلت فيه ووقعت على جنبي الأيمن بحذاء الكعبة المشرفة ، مفترشا يدي بجنب خدّي لكي لا يأخذني النوم ، فتنتقض طهارتي ، وإذا برجل من أهل البدعة معروف بها جاء ونشر مصلّاه على باب ذلك البيت ، وأخرج لويحا من جيبه أظنه كان من الحجر وعليه كتابة فقبّله ووضعه بين يديه ، وصلّى صلاة طويلة مرسلا يديه فيها على عادتهم ، وكان يسجد على ذلك اللّويح في كلّ مرّة ، فإذا فرغ من صلاته سجد عليه وأطال فيه ، وكان يمعك جسده من الجانبين عليه ، ويتضرّع في الدّعاء ثم رفع رأسه وقبّله ووضعه على عينيه ثم قبّله ثانيا وأدخله في جيبه كما كان . قال : فلما رأيت ذلك كرهته واستوحشت من ذلك . وقلت في نفسي : ليت كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حيّا فيما بيننا ليخبرهم بسوء صنيعهم وما هم عليه من البدعة . ومع هذا التفكر كنت أطرد النّوم عن نفسي كي لا يأخذني النّوم فيفسد طهارتي ، فبينا أنا كذلك ، طوى عليّ النّعاس وغلبني فكأنّي بين اليقظة والمنام ، فرأيت عرصة واسعة فيها ناس كثيرون واقفين وفي يد كل واحد منهم كتاب مجلد قد تحلّقوا كلّهم على شخص ، فسألت
--> ( 1 ) السبكي : طبقات الشافعية 6 / 228 . ( 2 ) باب الحزورة ( من الحرم ) . نفسه .