ابن قاضي شهبة
602
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
وكان الأولى به والحقّ أحقّ ما يقال . ترك ذلك التّصنيف والإعراض عن الشّرح له « 1 » ، فإنّ العوامّ ربّما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج ، فإذا سمعوا شيئا من ذلك ، تخيّلوا منه ما هو المضرّ بعقائدهم ، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل ، على أنّ المنصف اللّبيب إذا رجع إلى نفسه ، علم أن أكثر ما ذكره ممّا رمز إليه إشارات لفظ منه إلّا وكما يشعر أحد وجوهه بكلام موهوم ، فإنّه يشعر بسائر وجوهه بما يوافق عقائد أهل الملة « 2 » ، فلا يجب إذا حمله إلا على ما يوافق ، ولا ينبغي أن يتعلّق به في الرّدّ عليه متعلّق إذا أمكنه أن يبيّن له وجها ، وكان الأولى به أن يترك الإفصاح بذلك « 3 » كما تقدم . وقد سمعت أنّه سمع من « سنن أبي داود » عن القاضي أبي الفتح الحاكميّ الطّوسيّ ، وسمع من أبي عبد اللّه محمد بن أحمد الخواري ، مع ابنيه الشّيخين : عبد الجبّار ، وعبد الحميد ، « كتاب المولد » ، لابن أبي عاصم ، عن أبي بكر أحمد بن محمود بن الحارث ، عن أبي الشّيخ عنه « 4 » . قلت : ما نقم عبد الغافر على أبي حامد من تلك الألفاظ ، التي في ( كيمياء السّعادة ) فلأبي حامد أمثاله ، في بعض تواليفه . حتى قال فيه : أظن تلميذه ابن العربي : بلغ من شيخنا أبي حامد مبلغ الفلاسفة ، وأراد أن يتقيّأهم فما استطاع . ورأيت غير واحد من الأئمة يقولون : إنه ردّ على الفلاسفة في مواضع ووافقهم عليها في بعض تواليفه ، ووقع في شكوك ، نسأل اللّه السّلامة واليقين ، ولكنّه مثال حسن القصد . وقال أبو عمرو « 5 » بن الصّلاح : فصل [ لبيان أشياء مهمة ] أنكرت على الغزّاليّ في مصنّفاته ، ولم يرتضيها أهل مذهبه ، وغيرهم من الشّذوذ في تصرّفاته ، منها قوله في المنطق « 6 » : هو مقدّمة العلوم كلّها ، ومن لا يحيط به ، فلا ثقة له بعلومه أصلا . وهذا
--> ( 1 ) المنتخب من السياق 74 . ( 2 ) نفسه . ( 3 ) نفسه ، 19 / 327 . ( 4 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 19 / 327 ، المنتخب من السياق 74 . ( 5 ) ابن الصلاح : طبقات فقهاء الشافعية 252 ، 260 ، وسير أعلام النبلاء 19 / 329 . ( 6 ) ابن الصلاح : طبقات فقهاء الشافعية 1 / 252 .