ابن قاضي شهبة
519
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
مجلس في التذكير للعوامّ ؟ مسلسل المسائل مشحون بالنكت المستنبطة ، من مسائل الفقه مشتملة على حقائق الأصول « 1 » مبكّية في التحذير ، مفرحة في التبشير ، مختومة بالدعوات ، وفنون المناجاة . حضرناه « 2 » . وكم من مجمع للتدريس حاو للكبار من الأئمة ، وإلقاء المسائل عليهم ، والمباحث في غورها رأيناه ، وحصلنا بعض ما أمكننا منه وعلّقناه ، لم نقدّر ما كنا فيه من نضرة أيامه ، وزهرة شهوره وأعوامه ، حق قدره ، ولم نشكر اللّه تعالى عليه حق شكره ، حتى فقدناه وسلبناه . وسمعته في أثناء كلامه يقول : أنا لا أنام ، ولا آكل عادة ، وإنما أنام إذا غلبني النّوم ليلا كان أو نهارا ، وآكل إذا اشتهيت الطعام ، أي وقت كان ، وكانت لذته ، ولهوه ونزهته ، في مذاكرة العلم ، من أيّ نوع . فلقد سمعت الشيخ أبا الحسن علي بن فضّال بن علي المجاشعي ، النحويّ ، القادم علينا ، سنة تسع وتسعين وأربعمائة ، يقول : وقد قبله الإمام فخر الإسلام ، وقابله بالإكرام ، وأخذ في قراءة النحو عليه ، والتلمذة له ، بعد أن كان إمام الأئمة في وقته ، وكان يحمله كل يوم إلى داره ، ويقرأ عليه كتاب « إكسير الذهب في صناعة الأدب » من تصنيفه « 3 » . فكان يحكي يوما ، ويقول : ما رأيت عاشقا للعلم من أيّ نوع كان ، مثل هذا الإمام ، فإنه يطلب العلم للعلم ، وكان كذلك . ومن حميد سيرته ، أنه ما كان يستصغر أحدا ، حتى يسمع كلامه ، بادئا كان أو متناهيا فإن أصاب كياسة في طبع ، أو جريا على منهاج الحقيقة ، استفاد منه صغيرا كان أو كبيرا . ولا يستنكف عن أن يعزي الفائدة المستفادة إلى قائلها . ويقول : هذه الفائدة مما استفدته من فلان ، ولا يحابي أيضا في التزييف إذا لم يرض كلاما ، ولو كان أباه أو أحدا من الأئمة المشهورين ، وكان من التواضع لكلّ أحد بمحلّ يتخيّل منه الاستهزاء لمبالغته فيه . ومن رقة القلب بحيث يبكي إذا سمّعته بيتا ، أو تفكّر في نفسه ساعة .
--> ( 1 ) السبكي : طبقات الشافعية الكبرى 1 / 179 ( 2 ) السبكي : طبقات فقهاء الشافعية 1 / 179 . ( 3 ) السبكي : طبقات الشافعية 1 / 179 .