ابن قاضي شهبة
520
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
وإذا شرع في حكاية الأحوال ، وخاض في علوم الصوفية ، في فصول مجالسيه بالغدوات ، أبكى الحاضرين ببكائه ، وقطّر الدماء من الجفون بزعقاته ، ونقراته وإشاراته ، لاحتراقة في نفسه . وتحقّقه بما يجري من دقائق الأسرار . هذه الجملة نبذ مما عهدناه منه ، إلى انتهاء أجله ، فأدركه قضاء اللّه الذي لا بد منه ، بعد ما مرض قبل ذلك بمرض اليرقان ، وبقي به أياما ، ثم برأ منه ، وعاد إلى الدرس والمجلس ، وأظهر الناس من الخواص والعوام السرور بصحته ، وإقباله من علّته « 1 » . فبعد ذلك بعهد قريب مرض المرضة التي توفي فيها ، وبقي بها أياما وغلبت عليه الحرارة التي كانت تدور في طبيعته . إلى أن ضعف ، وحمل إلى بشتنقان « 2 » ، لاعتدال الهواء ، وخفّة الماء ، فزاد الضّعف ، وبدت مخايل الموت . وتوفي ليلة الأربعاء بعد صلاة العتمة ، الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر ، من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ، ونقل في الليل إلى البلد ، وقام الصياح في كلّ جانب . وجزع الناس عليه جزعا لم يعهد مثله ، وحمل بين الصلاتين من يوم الأربعاء ، إلى ميدان الحسين ، ولم تفتح الأبواب في البلد ، ووضعت المناديل على الرّءوس عاما ، بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه من الرؤوس الكبار . وصلّى عليه ابنه الإمام أبو القاسم ، بعد جهد جهيد ، حتى حمل إلى داره من شدة الزحمة ، وقت التطفيل ودفن في داره . وبعد سنين نقل إلى مقبرة الحسين ، وكسر منبره في الجامع المنيعيّ . وقعد الناس للعزاء أياما عدا عاما ، وأكثر الشعراء المراثي فيه ، وكان الطلبة قريبا من أربعمائة نفر ، يطوفون في البلد نائحين « 3 » عليه ، مكسرين المحابر والأقلام ، مبالغين في الصياح والجزع . وكان مولده ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة ، وتوفي وهو ابن تسع وخمسين سنة رحمه اللّه « 4 » .
--> ( 1 ) السبكي طبقات الشافعية 1 / 179 ، 180 . ( 2 ) بشتنقان : من قرى نيسابور ، وأحد متنزهاتها ، وتبعد عن نيسابور مقدار فرسخ واحد وبها قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين / ياقوت : معجم البلدان 1 / 125 . ( 3 ) ابن الجوزي : المنتظم 16 / 247 . ( 4 ) السبكي : طبقات الشافعية 1 / 181 وكانت وفاته في شهر ربيع الآخر سنة 478 ه / المنتظم 16 / 247 . -