ابن قاضي شهبة
425
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
بالقبض على الرئيس الفراتيّ ، والقشيريّ ، وأبي المعالي بن الجويني « 1 » ، وأبي سهل بن الموفّق ، ونفيهم ، ومنعهم عن المحافل . وكان أبو سهل غائبا إلى بعض النواحي ، ولما قرئ الكتاب بنفيهم أغري بهم الغاغة « 2 » . والأوباش ، فأخذوا بأبي القاسم القشيريّ ، والفراتي ، يجرّونهما ويستخفّون بهما ، وحبسا بالقهندز « 3 » . وكان ابن الجوينيّ أحسّ بالأمر فاختفى وخرج على طريق كرمان إلى الحجاز . وبقيا في السّجن مفترقين أكثر من شهر ، فتهيأ أبو سهل من ناحية باخرز « 4 » ، وجمع من شاكريته وأعوانه رجالا عارفين بالحرب ، وأتى باب البلد ، وطلب تسريح الفراتيّ والقشيريّ ، فما أجيب ، بل هدّد بالقبض عليه ، فما التفت وعزم على دخول البلد ليلا ، والاشتغال بإخراجهما مجاهرة ومحاربة . وكان متولي البلد ، قد تهيّأ للحرب ، فزحف أبو سهل ليلا إلى قرية له على باب البلد ، وهيّأ الأبطال ودخل مغافصة « 5 » . إلى داره ، وصاح من معه بالنعرات العالية ، ورفعوا عقائرهم . فلما أصبحوا ترددت الرّسل والنّصحاء في الصلح ، وأشاروا على الأمير بإطلاق الرئيس والقشيريّ ، فأبى وبرز برجاله ، وقصد محلّة أبي سهل ، فقام واحد من أعوان أبي سهل ، واستدعى إليه كفاية من تلك الثائرة أباه وأصحابه ، فأذن لهم ، فالتقوا في السّوق / وثبت هؤلاء حتى فرغ نشّاب أولئك ، ثم حمل هؤلاء عليهم ، فهزموهم إلى رأس المربّعة ، وهمّوا بأسر الأمير ، وسبّوه وردّوه مجروحا أكثر رجاله ، مقتولا منهم طائفة ، مسلوبا سلاح أكثرهم . ثم توسّط السّادة العلويّة ، ودخلوا على أبي سهل في تسكين الفتنة ، وأخرجوا الاثنين من السجن إلى داره ، وباتوا على ظفر « 6 » . وأحبّ الشافعية أبا سهل . ثم تشاور الأصحاب فيما بينهم ، وعلموا أنّ مخالفة السلطان قد يكون لها تبعة ، وأن الخصوم لا ينامون ، فاتفقوا على مهاجمة البلد إلى ناحية « 7 » . أستوا ، ثم يذهبون إلى الملك ، وبقي بعض الأصحاب بالنّواحي متفرقين . وذهب
--> ( 1 ) سير أعلام النبلاء 18 / 143 . ( 2 ) الغاغة : الغوغاء من العامة . ( 3 ) القهندز : كلمة لأهل خراسان ، تعني القلعة العتيقة في وسط المدينة ، وكان في كل مدينة شرقي النهر قهندز « ياقوت : معجم البلدان 4 / 419 » . ( 4 ) باخرز : كورة ذات قرى كثيرة ، وقصبتها مالين ، وهي بين نيسابور وهراة . « ياقوت : معجم البلدان 1 / 316 » . ( 5 ) غفص : غافص : أخذ على حين غرة . ( 6 ) الذهبي : سير النبلاء 18 / 143 . ( 7 ) الذهبي : تاريخ الإسلام ( ترجمة رقم 180 ) ص 428 .