ابن قاضي شهبة

366

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

واستولى على ممالك خراسان ، واتسعت الدولة السامانية في سنة تسع وثمانين . فسيّر إليه القادر باللّه أمير المؤمنين خلعة السلطان « 1 » . وعظم ملكه ، وفرض على نفسه كلّ عام غزو الهند ، فافتتح فيها بلادا واسعة ، وكسر الصنم المعروف بسومنات ، وكانوا يعتقدون أنه يحيي ويميت ، ويقصدونه من البلاد ، وافتتن به أمم لا يحصيهم إلا اللّه . ولم يبق ملك ولا محتشم إلا وقد قرّب له قربانا من نفيس ماله ، حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية ، وامتلأت خزائنه من أصناف الأموال والجواهر . وكان في خدمة هذا الصنم ألف رجل من البراهمة يخدمونه ، وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس الحجّاج إليه ولحاهم عند القدوم ، وثلاثمائة رجل وخمسمائة امرأة يغنّون ويرقصون عند بابه . وكان بين الإسلام وبين القلعة التي فيها هذا الوثن مسيرة شهر ، في مفازة صعبة فسار إليها السلطان محمود في ثلاثين ألف فارس جريدة « 2 » ، وأنفق عليهم أموالا لا تحصى ، فأتوا القلعة فوجدوها منيعة ، فسهّل اللّه تعالى بفتحها في ثلاثة أيام ، ودخلوا هيكل الصنم ، فإذا حوله من أصناف الأصنام الذهب والفضة المرصعة بالجواهر شيء كثير « 3 » ، محيطون بعرشه ، يزعمون أنها الملائكة . فأحرقوا الصنم الأعظم ، ووجدوا في أذنيه ، نيّفا وثلاثين حلقة . فسألهم محمود عن معنى ذلك ، فقالوا : في كل حلقة عبادة ألف سنة « 4 » . ومن مناقب محمود بن سبكتكين ما رواه أبو النضر عبد الرحمن بن عبد الجبار الفاميّ ، قال : لما ورد التّاهرتيّ « 5 » من مصر ، على السلطان محمود يدعوه سرا إلى مذهب الباطنية ، وكان يركب البغل الذي أتى به معه . وذاك البغل يتلوّن كل ساعة من كل لون . ووقف السلطان محمود على شرّ ما كان يدعو إليه ، وعلى بطلان ما حثّه عليه فأمر بقتله وأهدى بغله إلى القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي الشافعي شيخ هراة . وقال السلطان : كان هذا البغل يركبه رأس الملحدين فليركبه رأس الموحّدين « 6 » ، ولولا ما في السلطان محمود من البدعة : لعدّ من ملوك العدل . وذكر إمام الحرمين الجوينيّ « 7 » ، أن السلطان

--> ( 1 ) ابن الجوزي : المنتظم 15 / 211 ، وفيات الأعيان 5 / 177 . ( 2 ) جريدة : جماعة الفرسان تخرج للغزو لا رجّالة فيها . ( 3 ) ابن الجوزي : المنتظم 15 / 211 . ( 4 ) ابن الجوزي : المنتظم 15 / 212 ، وابن خلكان : وفيات الأعيان 5 / 179 . ( 5 ) نسبة إلى تاهرت بالمغرب . ( 6 ) انظر : السبكي : طبقات الشافعية الكبرى 5 / 319 ، 320 . ( 7 ) هو : عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف النيسابوري إمام الحرمين أبو المعالي الجويني ، إمام وقته ، -