ابن قاضي شهبة

367

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

كان حنفيّ المذهب مولعا بعلم الحديث ، يسمع من الشيوخ ، ويستفسر الأحاديث ، فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي ، فوقع في نفسه « 1 » . فجمع الفقهاء في مرو « 2 » ، وطلب منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين ، فوقع الاتفاق ، على أن يصلّوا بين يديه على مذهب الإمامين ليختار هو . فصلى أبو بكر القفّال المروزي بطهارة مسبغة ، وشرائط معتبرة من السّترة والقبلة ، والإتيان بالأركان والفرائض صلاة لا يجوّز الشافعي دونها . ثم صلّى صلاة على ما يجوّز أبو حنيفة . فلبس جلد كلب مدبوغا قد لطّخ ربعه بالنجاسة . وتوضّأ بنبيذ التمر ، وكان في الحرّ ، فاجتمع عليه البعوض ، والذباب ، وتوضأ منكّسا ، ثم أحرم ، وكبّر بالفارسية : ( دوبر كك سبر ) « 3 » ، ثم نقر نقرتين كنقرات الديك ، عن غير فصل ولا ركوع ولا تشهد ، ثم ضرط في آخره من نية السلام ، وقال : هذه صلاة أبي حنيفة . فقال : إن لم تكن هذه الصلاة ، صلاة أبي حنيفة لقتلتك . قال : فأنكرت الحنيفة أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة ، فأمر القفّال بإحضار كتب أبي حنيفة ، وأمر السلطان بإحضار نصرانيّ كاتبا يقرأ المذهبين جميعا ، فوجدت كذلك . فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة ، وتمسك بمذهب الشافعي . هكذا ذكر إمام الحرمين بأطول من هذه العبارة « 4 » . وقال عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في ترجمة محمود السلطان « 5 » : كان صادق النية في إعلاء كلمة اللّه ، مظفّرا في الغزوات ، ما خلت سنة من سني ملكه عن غزوة أو سفرة . وكان ذكيا بعيد الغور ، موفّق الرأي . وان مجلسه مورد العلماء ، وقبره بغزنة يدعى عنده « 6 » . وقال أبو علي بن البنّا : حكى عليّ بن الحسين العكبريّ أنه سمع أبا مسعود أحمد بن محمد البجليّ قال : دخل ابن فورك على السلطان محمود ، فقال :

--> - وشيخ الإمام الغزالي ، توفي سنة 478 ه / / السبكي : طبقات الشافعية 1 / 71 ، 2 / 13 ، 3 / 62 ، 3 / 474 - 476 ، 4 / 252 - 254 ، 5 / 165 - 222 ، والجويني : نسبة إلى ناحية جوين أو ( كوبان ) المتصلة بحدود بيهق . / / السمعاني : الأنساب 3 / 385 . ( 1 ) انظر : ابن خلكان : وفيات الأعيان 5 / 180 . ( 2 ) مرو : مدينة هامة في خراسان ، تبعد عن سرخس 30 فرسخا ، وبها نهران كبيران ، تشتهر ببساتينها ومياهها ، ظهر منها عدد من العلماء ، / / ياقوت : معجم البلدان 5 / 112 - 116 . ( 3 ) دوبركك سبر : كلمة فارسية تعني : ورقتان خضراوان / / ابن خلكان : وفيات الأعيان 5 / 182 . ( 4 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 5 / 180 ، 181 . ( 5 ) عبد لغافر الفارسي : المنتخب من السياق 446 . ( 6 ) نفسه ، وقال عنه : ( رجل عليّ الجدّ ، ميمون الاسم ، مبارك الدولة والنوبة على الرعية . . . ) ، ( المنتخب 446 ) .