ابن قاضي شهبة

365

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

وعظمت سطوته ، وفتح ناحية بست « 1 » . واتصل به أبو الفتح ، علي بن محمد البستي الكاتب ، فاعتمد عليه ، وأسرّ إليه أموره . وكان سبكتكين على رأي الكراميّة . قال جعفر المستغفري : كان أبو القاسم عبد اللّه بن عبد اللّه بن الحسين النّضريّ المروزيّ ، قاضي نسف ، صلب المذهب ، فلما دخل سبكتكين صاحب غزنة . بلخ « 2 » ، دعاهم إلى مناظرة الكرّامية « 3 » وكان النّضريّ يومئذ قاضيا ببلخ ، فقال سبكتكين : ما تقولون في هؤلاء الزّهاد والأولياء ؟ فقال النضري : هؤلاء عندنا كفرة . فقال : ما تقولون فيّ ؟ قال : إن كنت تعتقد مذهبهم فقولنا فيك كقولنا فيهم . فوثب من مجلسه وجعل يضربهم بالطبرزين « 4 » ، حتى أدماهم ، وشجّ القاضي وأمر بهم فقيّدوا وحبسوا . ثم خاف الملامة فأطلقهم ، ثم إنه مرض ببلخ ، فاشتاق إلى غزنة ، فسافر إليها ومات في الطريق ، في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة « 5 » ، وجعل ولي عهده ولده إسماعيل . وكان محمود غائبا ببلخ ، فلما بلغه نعي أبيه ، كتب إلى أخيه ولاطفه على أن يكون بغزنة ، وأن يكون محمود بخراسان . فلم يوافقه إسماعيل ، فكان في إسماعيل رخاوة وعدم شهامة . فطمع فيه الجند وشغّبوا عليه ، وطالبوه بالعطاء ، فأنفق فيهم الخزائن . فدعا محمود عمّه إلى موافقته ، فأجابه . فقوي بعمّه وبأخيه ، وقصد غزنة في جيش عظيم « 6 » ، وحاصرها إلى أن افتتحها بعد أن عمل هو وأخوه مصافّا هائلا ، وقتل خلق من الجيش ، وانهزم أخوه إسماعيل وتحصّن . فنازل حينئذ محمود البلد ، وأنزل أخاه من قلعتها بالأمان . ثم رجع إلى بلخ ، وحبس أخاه ببعض الحصون حبسا خفيفا ، ووسّع عليه الدنيا والخدم « 7 » . وكان في خراسان نواب لصاحب ما وراء النهر من الملوك السّامانية ، فحاربهم محمود وانتصر عليهم ،

--> ( 1 ) بست : مدينة من أعمال كابل تقع بين سجستان وغزنين ، إقليمها واسع ، حارة صيفا كثيرة المياه والبساتين . خرج منها كثير من العلماء ، في علوم الفقه والحديث . / / ياقوت : معجم البلدان 1 / 414 - 419 . ( 2 ) بلخ : مدينة مشهورة بخراسان ، كثيرة الخيرات والغلال ، تبعد عن ترمذ 12 فرسخا . / / ياقوت : معجم البلدان 1 / 279 . ( 3 ) الكرامية : فئة من المرجئة تنسب إلى شيخها محمد بن كرّام السجستاني ، كان يدعو إلى تجسيم معبوده . / / البغدادي : الفرق بين الفرق 215 . ( 4 ) الطبرزين : سلاح يشبه البلطة . ( 5 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 5 / 176 ، والذهبي : تاريخ الإسلام ( ترجمة 49 ) ص 70 . ( 6 ) ابن الجوزي : المنتظم 15 / 211 ، سير أعلام النبلاء 17 / 485 . ( 7 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 5 / 177 .