ابن قاضي شهبة
273
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
ما سمعت شيئا من سنن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا وأستعمله ، حتى الصلاة على أطراف الأصابع ، وهي صعبة . قال السّلّمي « 1 » : قال أحمد بن يحيى الشيرازي : ما أرى التصوّف إلّا انختم بأبي عبد اللّه بن خفيف ، وكان رحمه اللّه من أولاد الأمراء ، فتزهّد حتى قال : كنت أذهب وأجمع الخرق من المزابل ، وأغسلها ، وأصلح منها ما ألبسه ، وبقيت أربعين شهرا ، أفطر كلّ ليلة على كفّ باقلّاء « 2 » ، فافتصدت فخرج من عرقي شبيه بالدم فغشي عليّ ، فتحير الفصّاد ، وقال : ما رأيت جسدا بلا دم إلا هذا « 3 » ، وقال ابن باكويه : سمعت أبا أحمد الكبير يقول : سمعت أبا عبد اللّه بن خفيف يقول : تهت في البادية ، وجعت حتى سقطت لي ثمانية أسنان ، وانتثر شعري ثم وقعت إلى فيد « 4 » ، وأقمت بها حتى تماثلت وحججت ، ثم مضيت إلى بيت المقدس ، ودخلت الشام ، فنمت إلى جانب دكّان صبّاغ ، وكان معي في المسجد رجل به [ بطن ] قيّام « 5 » ، فكان يخرج ويدخل إلى الصباح ، فلما أصبحنا صاح الناس ، وقالوا : نقبت دكان الصباغ ، وسرقت ، فدخلوا المسجد ورأونا ، فقال المبطون : لا أدري غير أن هذا طول الليل كان يدخل ويخرج ، وما كنت خرجت أنا إلا مرّة تطهّرت ، فجرّوني ، وضربوني وقالوا : تكلّم ، فاعتقدت التّسليم ، فكانوا يغتاضون من سكوتي ، فحملوني إلى دكّان الصبّاغ ، وكان أثر رجل اللصّ في الرّماد ، فقالوا : ضع رجلك فيه ، فوضعت . فكانت على قدر رجلي ، فزادهم غيظا « 6 » . وجاء الأمير ، ونصبت القدر فيها الزّيت يغلي ، وأحضرت السكّين ، ومن يقطع اليد . فرجعت إلى نفسي فإذا هي ساكنة . فقلت : إن أرادوا قطع يدي ، سألتهم أن يعفوا عنّي لأكتب بها ، فبقي الأمير يهددني ويقول ويصول ، فنظرت إليه فعرفته ، وكان مملوكا لوالدي يكلّمني بالعربية . فكلّمته بالفارسيّة ، فنظر إليّ . وقال : أبو الحسين ، وكنت أكنّى بها [ في ] صباي ، فضحكت فعرفني ، فأخذ يلطم رأسه ووجهه ، واشتغل الناس به ، فإذا بضجّة عظيمة ، وإذا اللّصوص قد مسكوا ، فذهبت
--> ( 1 ) السلمي : طبقات الصوفية ص 462 . ( 2 ) الباقلاء : نبات عشبي سنوي زراعي من فصيلة القطانيات الفراشية / المعجم الوسيط / . ( 3 ) ابن عساكر : تبيين كذب المفتري 191 . ( 4 ) فيد : اسم مكان بشرقي سلمى أحد جبلي طيء ، وينسب إليه حمى فيد : السبكي : طبقات الشافعية 3 / 154 ، 7 / 190 / وابن هشام : السيرة 2 / 577 . ( 5 ) قيّام : كثير القيام ، لا يهدأ ولا يستقر . ( 6 ) ابن كثير : البداية والنهاية 11 / 299 ، الشعراني الطبقات 1 / 142 .