ابن قاضي شهبة
274
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
والناس ورائي ، وأنا ملطّخ بالدماء جائع لي أيام لم آكل ، فرأتني عجوز فقيرة فقالت : ادخل إلينا ، فدخلت ولم يرني الناس ، وغسلت وجهي ويديّ ، فإذا الأمير قد أقبل يطلبني ، فدخل ومعه جماعة ، وجرّ من منطقته سكّينا وحلف باللّه وقال : إن أمسكني إنسان لأقتلنّ نفسي ، وضرب بيده رأسه ووجهه مائة صفعة ، حتى منعته أنا ثم اعتذر وجهد بي أن أقبل شيئا فأبيت وهربت ليومي من المدينة « 1 » . فحدّثت بعض المشايخ فقالوا : هذا عقوبة انفرادك فما دخلت [ مكانا ] [ بعد ذلك ] فيه فقراء ، إلا قصدتهم . وقال أبو عبد اللّه بن باكويه : سمعت أبا عبد اللّه بن خفيف ، وقد سأله قاسم الإصطخري عن الأشعري فقال : كنت مرة بالبصرة جالسا مع عمرو بن علويّة على ساجة « 2 » في سفينة نتذاكر في شيء . فإذا بأبي الحسن الأشعري ، قد عبر وسلّم علينا وجلس ، فقال عبرت عليكم أمس في الجامع ، فرأيتكم تتكلمون في شيء ، عرفت الألفاظ ، ولم أعرف المغزى ، فأحبّ أن تعيدوها عليّ قلت : وفي أي شيء كنّا ؟ قال : سؤال إبراهيم عليه السلام أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى « 3 » وسؤال موسى عليه السلام رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ « 4 » فقلت : نعم . قلت : إن سؤال إبراهيم ، هو سؤال موسى ، إلا أن سؤال إبراهيم سؤال متمكّن ، وسؤال موسى سؤال صاحب غلبة وهيجان . فكان تصريحا ، وكان سؤال إبراهيم تعريضا ، وذلك أنه قال : أرني كيف تحيي الموتى ، فأراه كيفية المحيا ، ولم يره كيفية الإحياء ، لأن الإحياء صفته ، والمحيا قدرته . فأجابه إشارة كما سأله إشارة . إلا أنه قال في الآخر : وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ « 5 » والعزيز : المنيع . فقال أبو الحسن : هذا كلام صحيح . ثم إني مشيت مع أبي الحسن ، وسمعت مناظرته ، وتعجبت من حسن كلامه ، حين أجابهم . قال أبو العباس الفسوي « 6 » : صنّف شيخنا ابن خفيف من الكتب ، ما لم يصنّفه أحد ، وانتفع به جماعة صاروا أئمة ، يقتدى بهم ، وعمّر حتى عمّ نفعه البلدان ، وقال أبو الفتح عبد الرحيم بن أحمد ، خادم ابن خفيف : سمعت أبا عبد اللّه بن جعفر يقول : سألنا يوما القاضي
--> ( 1 ) ابن كثير : البداية والنهاية 11 - 299 ، الشعراني : الطبقات الكبرى 1 - 142 . ( 2 ) الساجة : مفرد الساج ، وهو الخشب المجلوب من الهند . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 260 . ( 4 ) سورة الأعراف . الآية : 143 . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية : 260 . ( 6 ) ابن كثير : البداية والنهاية 11 / 299 .