ابن قاضي شهبة
178
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
رأيه ، لمعرفته وفضله . جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، فكان حافظا لكتاب اللّه ؛ بصيرا بالمعاني ، فقيها في أحكام القرآن ، عالما بالسّنن وطرقها ، صحيحها وسقيمها ، ناسخها ومنسوخها ، عارفا بأقوال الصحابة ، والتابعين ، بصيرا بأيام الناس ، وأخبارهم ، له الكتاب المشهور ( في تاريخ « 1 » الأمم ) وكتاب ( النّفيس ) « 2 » الذي لم يصنّف مثله ، وكتاب ( تهذيب الآثار ) لم أر مثله في معناه ، ولكن لم يتمّه . وله في الأصول والفروع كتب كثيرة ، واختيار من أقاويل الفقهاء . وتفرّد بمسائل حفظت عنه . وقال غيره : مولده بآمل طبرستان سنة أربع وعشرين ومائتين ، قال أبو محمد الفرغانيّ : كتب إليّ المراغيّ يذكر ، أن المكتفي قال للحسن بن العباس : إني أريد أن أوقف وقفا يجمع أقاويل العلماء ، على صحته ويسلم من الخلاف . قال : فأحضر ابن جرير ، فأملى عليهم كتابا بذلك . فأخرجت له جائزة سنيّة ، ما رضي أن يقبلها ، فقيل له : لا بد من جائزة أو قضاء حاجة . فقال : نعم . أسأل أمير المؤمنين ، أن يتقدم إلى الشّرط أن يمنعوا السّؤّال من دخول المقصورة يوم الجمعة . فتقدم بذلك ، وعظم في نفوسهم « 3 » . قال أبو محمد الفرغاني صاحب ابن جرير ؛ فأرسل إليه العباس بن الحسن الوزير : قد أحببت أن انظر في الفقه . وسأله أن يعمل له مختصرا . فعمل له كتاب ( الخفيف ) وأنفذه إليه . فوجّه إليه بألف دينار ، فلم يقبلها ، فقيل له : تصدّق بها . فلم يفعل « 4 » . وقال الخطيب « 5 » : سمعت علي بن عبيد اللّه اللغوي يقول : مكث ابن جرير أربعين سنة ، يكتب كل يوم أربعين ورقة . وأما أبو محمد الفرغاني ، فقال في « صلة التاريخ » له : إن قوما من تلامذة أبي جعفر الطبري ، حسبوا لأبي جعفر منذ بلغ الحلم إلى أن مات . ثم قسّموا على تلك المدة أوراق مصنّفاته ، فصار لكلّ يوم أربع عشرة ورقة « 6 » . وقال الشيخ أبو حامد الأسفراييني شيخ الشافعية : لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصّل تفسير محمد بن جرير لم يكن
--> ( 1 ) هو تاريخ الأمم والملوك ، المعروف بتاريخ الطبري ، الفهرست : ابن النديم ص 327 . ( 2 ) هو كتاب تفسير الطبري المعروف ، وقد اختصره جماعة منهم أبو بكر بن الإخشيد . الفهرست ص 327 . ( 3 ) ابن عساكر ، تاريخ دمشق 37 / 249 . ( 4 ) ابن عساكر ، تاريخ دمشق 37 / 249 ، 250 . ( 5 ) تاريخ بغداد 2 / 163 ، ابن الجوزي : المنتظم 13 / 216 . ( 6 ) ياقوت : معجم الأدباء 18 / 44 .