المقريزي
8
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )
أمس أو سمعه ، وبين ما قرأه في الكتب المتضمنة أخبار الماضين وحوادث المتقدّمين ، فإذا طالعها فكأنه عاصرهم ، وإذا علمها فكأنه حاضرهم . ومنها : أن الملوك ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان ورأوها مدوّنة في الكتب يتناقلها الناس فيرويها خلف عن سلف ، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر وقبيح الأحدوثة ، وخراب البلاد ، وهلاك العباد ، وذهاب الأموال ، وفساد الأحوال ، استقبحوها وأعرضوا عنها واطّرحوها . وإذا رأوا سيرة الولاة العادلين وحسنها ، وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم ، وأن بلادهم وممالكهم عمرت ، وأموالها درّت ، استحسنوا ذلك ورغبوا فيه وثابروا عليه وتركوا ما ينافيه . هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة الآراء الصائبة التي دفعوا بها مضرّات الأعداء ، وخلصوا بها من المهالك ، واستصانوا نفائس المدن وعظيم الممالك ، فإنه لا يحدث أمر إلا قد تقدم هو أو نظيره ، فيزداد بذلك عقلا ، ويصبح لأن يقتدى به أهلا . . . » « 1 » . وإذا ما راجعنا كتب الفهارس العربية ( البيبليوغرافيا ) نقرأ ما كتبه واضعوها من تعريف علم التاريخ ، فإننا نجد هؤلاء لا يختلفون عما عرّف به المؤرخون هذا العلم ، إلا أنهم كانوا أكثر ابتغاء للدقّة في تحديد موضوعه ، وغايته ، والفائدة منه . يقول طاش كبري زاده في كتابه : ( مفتاح السعادة ومصباح السيادة ) :
--> ( 1 ) مقدمة الكامل في التاريخ لابن الأثير .