المقريزي

258

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )

يقال : إنه ما تصدّى للوعظ حتى حفظ أربعين مجلسا ، وقدم إلى القاهرة في سنة ثمانين أو نحوها ، وامتحن لولا قيام قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة « 1 » معه لأتى على نفسه ، ونزل بجوار منزلي ، ولم يتّفق لي أن آخذ عنه شيئا ، ونشأ ابنه أحمد واعظا ، لكن دون أبيه ، وورد إلى القاهرة ، وعقد مجالس الوعظ . حضرته وسمعت من مجالسه ، فكان يلقي من صدره الكلام على الآيات الكريمة ، ويورد الأحاديث والآثار ونحوها ، وحصل له القبول الكثير ، فلما ثار الأمير يلبغا النّاصري « 2 » وسار من حلب حتى انتزع الملك الظّاهر برقوق من الملك ، واستبدّ بتدبير دولة الملك الصّالح المنصور حاجي بن الأشرف « 3 » ، قلّد أحمد قضاء القضاة الشافعية بدمشق ، فسار إليها من القاهرة . فلمّا كان من قيام منطاش « 4 » على النّاصري وسجنه وخروج برقوق من سجن الكرك ، وتوجّه بأهل الكرك إلى دمشق ، كان أحمد بها يتقلّد القضاء بها ، فقام بحرب برقوق وألّب عليه ، ودعا الناس إلى قتالهم ، فلما عاد برقوق إلى مصر واستولى على كرسي المملكة وفرّ منطاش من دمشق ، قبض الأمراء بها على أحمد ؛ ويقال : بل قبض عليه منطاش قبل خروجه وسجنه ، فحمل إلى السّلطان بقلعة الجبل في عدّة من أمراء دمشق وأعيانها الذين شاقّوا السلطان أيّام منازلته لدمشق ، فلما مثل بين يدي السّلطان قال له : لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ « 5 » فأمر به

--> ( 1 ) ترجم له المصنف - انظر الترجمة 31 ص 92 . ( 2 ) يلبغا : تقدمت ترجمته ص 107 . ( 3 ) تقدمت ترجمته ص 81 . ( 4 ) تقدمت ترجمته ص 218 . ( 5 ) من الآية : 91 من سورة يوسف .