المقريزي
214
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )
الاثنين رابع المحرم سنة خمس وتسعين ، وأقرّ معه بنظر وقف الملك الصالح إسماعيل بقبّة المنصورية « 1 » وتدريس الشّافعية به ، وتدريس الفقه بالجامع الطولوني « 2 » إعانة له . فلزم داره وباشر هذه الوظائف ، وصار يتردّد إلى حضرة السّلطان فيجلّه ويبالغ في كرامته . وكان هذا أيضا من أفعال الظّاهر أنّه يبالغ في إكرام من يعزله عن منصب إذا لقيه ، ولا يدعه بغير رزق يجري عليه ، فإمّا يعطيه وظيفة أو يجعل له راتبا سلطانيا . ولم يزل العماد بعد صرفه عن القضاء مرعيّ الجانب ، محترم الجناب ، مقبلا على تلاوة القرآن والصّيام وقيام الليل ، مع كثرة الحاشية وإظهار التجمّل وترداد الأعيان لبابه ، حتى شغرت خطابة المسجد الأقصى وتدريس المدرسة الصلاحية « 3 » بالقدس ، فسأل السلطان في ذلك فقلّده إيّاه ، وسافر في ثاني عشرين جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وسبعمائة من القاهرة ، فنزل القدس ، وباشر الخطابة والتدريس ، وأكثر من النّسك وازداد انجماعا عن النّاس وشغلا باللّه في نعمة وعافية وقرّة عين بالأهل والمال والولد ، حتى قبضه اللّه إليه بالقدس في يوم الجمعة سادس عشرين شهر ربيع الأول سنة إحدى وثمانمائة فدفن هناك . رحمه اللّه فلقد كان ثبتا في أحكامه ، صادقا في مقاله ، كثير الصدقة ، ملازما لتلاوة القرآن والتهجّد في الليل والصّيام ، بعيدا من الرّيب ، منزّها
--> ( 1 ) هذه القبة تعلو تربة الملك المنصور قلاوون داخل المارستان المنصوري بشارع المعز لدين اللّه - بين القصرين سابقا - بالقاهرة ، بنيت سنة 684 ه وبجانبها المدرسة المنصورية ، وفيها أيضا قبر الملك الناصر محمد ( النجوم الزاهرة 7 / 325 - خ 2 ، مساجد القاهرة رقم 11 ) . ( 2 ) ويقال له جامع ابن طولون : من أعظم جوامع القاهرة ، وهو على جبل يشكر في الجهة الجنوبية من القاهرة بقصر السيدة زينب ، بناه أحمد بن طولون سنة 263 ه / 877 م وتم بناؤه سنة 265 ه / 879 م ( النجوم الزاهرة 8 / 106 - ح 1 ، مساجد القاهرة : 31 ) . ( 3 ) مر التعريف بها ص 93 .