المقريزي
191
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )
من الفقهاء ، عارفا بالحديث وطرقه وتوثيق رواته وجرحهم ، كثير الميل إلى اتّباع الحديث ، منجمعا عن الناس لا يخالطهم في شيء من أمر دنياهم ، شديد التحمّس في العبادة ، بعيدا عن الهزل ، دائم الخشوع إذا قام إلى الصلاة كأنما تعاين السلف الأول من حسن سمته وهديه ، لا يبرح في عبادة : إما تخريج أحاديث ليعمل بها ، أو أداء ما أمر به من فرائض العبادات وندب إليه من نوافلها . خرّج من الكتب الستّة وغيرها كتابا كبيرا في عدّة مجلدات سمّاه ( الأوامر والنواهي ) يشتمل على ما ورد في القرآن الكريم ، وما في هذه الكتب من الأحاديث الصحيحة التي لم ينسب أحد من رواتها إلى شيء من الجرح بصيغة الأمر والنهي وما في معناهما . وخرّج كتابا آخر ضمّنه ما في ذلك مما قلنا ، وفي رواية من نسب إلى شيء من الجرح ؛ ثم اختصرهما بحذف الأسانيد فجاء شيئا عجبا في الحسن ، على ترتيب أبواب الفقه ، كتبه بخطّه ، وقرأته بأجمعه عليه ، وهو ممسك أصله الذي بخطه في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة ؛ واختصر كتاب ( تهذيب الكمال ) « 1 » وكتب الكثير بخطه ؛ وكان يبالغ في تعظيم أبي محمّد بن حزم « 2 » ويعتني بكلامه . وكان يحمل نفسه من العبادة على ما لا يثبت له غيره ، وذلك أنّه أخذ نفسه بالعمل بكلّ ما أمر اللّه تعالى به في كتابه أو على لسان نبيّه - صلّى اللّه عليه وسلم - ومما قد صحّ عنه ، سواء كان ذلك مما قال الفقهاء فيه أنه يقتضي الوجوب أو النّدب . وثبت على العمل به
--> ( 1 ) كتاب ( الكمال في معرفة الرجال ) لابن النجار محمد بن محمود البغدادي ، المتوفى سنة 643 ه ، و ( تهذيب الكمال ) للحافظ يوسف ابن الزكي المزي المتوفى سنة 742 ه ( الكشف 1509 - 1510 ) . ( 2 ) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ، أبو محمد ، أحد أئمة الإسلام ، المصنف ، توفي سنة 456 ه / 1064 م ( الشذرات 3 / 299 ) .