المقريزي

39

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

فلمّا قدم الأمير يلبغا الناصري إلى ديار مصر وغلب الملك الظاهر على المملكة وبعث به إلى سجن مدينة كرك الشّوبك كان ابن الميلق قاضيا حينئذ فوقع في حقّ الظاهر وأساء القول فيه ، فبلغه ذلك وهو بقاعة الصفة من قلعة الجبل قبل توجّهه إلى الكرك ، فأسرّها في نفسه ، فلمّا ثار الأمير منطاش على الناصري واستولى على الأمر صرف ابن الميلق بالصّدر المناوي بعد ما كان أخذ خطّه في الفتاوى التي كتب عليها فقهاء العصر بقتال الظاهر برقوق ، وذلك لأنّ ابن الميلق كان يلي نظر وقف رزقه موقوفة على جامع المارديني ، فأراد الأمير منطاش إخراجها عن الوقف فعارضه ابن ميلق مرارا حتى غضب منه وعزله . فلمّا عاد الظاهر إلى المملكة ورأى الفتاوى وفيها خطّ ابن الميلق حرّكت عليه ساكنا ولهج بذمّه ، فتنبّهت أعين العدا لابن الميلق ورموه من كيدهم بسهم أصماه وأرداه ، وذلك أنه كان عندما صرّ لأهل الحرمين ما جرت عادتهم بصرّه من الفضّة التي تحمل من القاهرة إلى الحرمين أعوزه في ذلك شيء فأذن لمباشري مودع الحكم في قرض ذلك من أموال اليتامى وكتب لهم خطّه بالإذن ، فحسّنوا لأمين الحكم بمصر أحمد البيدقي أن يقف إلى السّلطان ويشكو ابن الميلق بسبب ما أخذه من مال الأيتام وكان نحو الثلاثين ألف درهم فضّة عنها قريب من ألف وخمس مائة مثقال من الذّهب ، فوقف البيدقي في الميدان حيث يجلس السّلطان للنّظر في المظالم ورفع قصّة بشكوى ابن الميلق ، فأمر السّلطان بطلبه ، فجاء وقد حضر القضاة فأوقف مع النّقباء تحت مقعد السّلطان ، فحالما مثل قائما سقط مغشيا عليه وصار على التّراب بحضرة ذاك الجمع العظيم ، فتقدّم بعض من كان يلوذ به ليصلح من شأنه ، فصرخ فيه السّلطان وتركه طويلا حتى أفاق من غشوته ، وادّعى عليه البيدقي فلم يلحن بحجّة وألزمه القضاة بغرامة ذلك والقيام به للأيتام من ماله ، فرسم عليه وسجن بالمدرسة الشّريفية ليدفع المال ، وما زال يورده حت أتى ذلك على غالب ماله ، ولم يزل في داره يجرع الغصص حتى ذهبت إحدى عينيه ، وتخلّى عنه أحبابه ، وتركه قدماء