المقريزي

38

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

الدين الميلق الصّوفيّ الشّاذليّ الشّافعيّ « 1 » . أصله من أشموم الرّمان ، كان أولا يتزيّا بزيّ الفقراء ويتصدّى لعمل المواعيد ، فصار للناس فيه حسن ظنّ واعتقاد كبير ، ثم أمّ بالنّاس مدة في الجامع الأخضر من خط الخور . ثم تركه وولي خطابة الجامع الذي أنشأه الملك الناصر الحسن بن محمد بن قلاوون لخيره ، وصار له أتباع عدّة وشهرة كبيرة ، فلمّا غضب الظاهر برقوق على قاضي القضاة بدر الدين محمد بن أبي البقاء استدعى ابن الميلق وأراده على تقليد وظيفة القضاء فتمانع ثم أجاب ، فألبسه التّشريف بيده ، وأخذ طيلسانه ليتبرّك به ، ونزل ومعه عظماء الدّولة إلى المدرسة الصّالحية في يوم الاثنين رابع شعبان سنة تسع وثمانين وسبع مائة . وقد داخل الناس منه خوف ووهم زائد ، وظنّوا أنه يحمل الناس على مرّ الحقّ لما ألفوه من تشدّقه في وعظه ، وتفخيمه في منطقه ، وإعلانه بالنّكير على الكافّة ، ووقيعته في القضاة ، واشتماله على لبس الوسط من الخشن ، ومعيبه أهل التّرف . وكان أول ما بدأ به أن عزل قضاة مصر كلّهم من العريش إلى أسوان ، وبعد يومين تكلّم معه الحاجّ مفلح مولى بدر الدين محمد بن عليّ بن فضل اللّه كاتب السّرّ في ولاية بعض من عزله من القضاة ، فاعاده فانحلّ ما كان معقودا بالقلوب من مهابته ولم يوفّق مع ذلك البتة ، فخلع زيّه الذي يلبسه ولبس الشّاش الكبير الرّفيع الغالي الثّمن ونحوه من الثّياب ، وترفّع في مقاله وفعاله حتى كاد يصعد الجوّ ، وماقت الناس وشحّ في العطاء ولاذ به جماعة غير محبّبين إلى الناس ، فانطلقت ألسن الكافّة بالوقيعة في عرضه واختلقوا عليه ما ليس فيه .

--> ( 1 ) ترجمته في : السلوك 3 / 846 ، والدرر الكامنة 4 / 114 ، وإنباء الغمر 3 / 271 ، والمجمع المؤسس ، الورقة 226 ، والنجوم الزاهرة 12 / 146 ، ووجيز الكلام 1 / 315 ، وشذرات الذهب 6 / 351 .